تقارير وتحقيقات

التحالف البحري السعودي يعيد تشكيل معادلات البحر الأحمر ويضع الحرب السودانية أمام متغيرات إقليمية جديدة

التنوير متابعات

 

التنوير تقرير القسم السياسي

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر عالمي للتجارة والطاقة، بل تحول إلى إحدى أكثر الساحات حساسية في الصراع على النفوذ الإقليمي. ومع إعلان المملكة العربية السعودية تأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يضم أربع عشرة دولة لحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، دخلت المنطقة مرحلة جديدة تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة رسم التوازنات السياسية والاستراتيجية في الإقليم، وفي مقدمتها السودان الذي بات يمثل الحلقة الأكثر تعقيداً في معادلة أمن البحر الأحمر.

وجاء الإعلان السعودي في توقيت بالغ الحساسية، بعد سلسلة هجمات استهدفت السفن التجارية وناقلات النفط، ووسط تصاعد التوترات المرتبطة بإيران وجماعة الحوثي، الأمر الذي دفع الرياض إلى تسريع بناء مظلة أمنية إقليمية لحماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.

السودان يتحول إلى عقدة الأمن الإقليمي

لم يعد السودان يُنظر إليه باعتباره دولة تعيش حرباً داخلية فحسب، وإنما أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي الممتدة من القرن الأفريقي حتى الخليج العربي. فالتطورات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك انتقال العمليات إلى مناطق قريبة من الساحل الشرقي، عززت المخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى البحر الأحمر بصورة مباشرة.

ويرى مسؤولون غربيون وعدد من مراكز الدراسات أن الحرب السودانية أصبحت إحدى ساحات التنافس الإقليمي بين القوى الفاعلة، وأن أي اضطراب أمني على الساحل السوداني ستكون له انعكاسات مباشرة على الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية، وأمن صادرات النفط الخليجية.

وتزداد أهمية هذا التقدير مع تعرض مدينة بورتسودان خلال الفترة الماضية لهجمات بالطائرات المسيّرة، الأمر الذي جعل أمن الساحل السوداني قضية تتجاوز حدود السودان إلى حسابات الأمن القومي لدول المنطقة.

مشاركة السودان تفتح باب الأسئلة

شارك السودان في الاجتماع التأسيسي للتحالف البحري، ممثلاً بالفريق أول ياسر العطا، إلى جانب ثلاث عشرة دولة أعلنت دعم المبادرة السعودية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تمسك سلطة بورتسودان بشراكتها مع الرياض في الملفات الأمنية والعسكرية.

لكن هذه المشاركة أثارت كذلك أسئلة سياسية معقدة، في ظل التقارير التي تحدثت خلال العامين الماضيين عن عودة العلاقات بين الخرطوم وطهران، ووجود تعاون عسكري بين إيران والجيش السوداني، شمل تزويده بطائرات مسيّرة وتقنيات عسكرية، وفق تقارير إعلامية ودولية متعددة.

ويرى محللون أن هذا الواقع يعكس سياسة خارجية براغماتية تحاول الحفاظ على قنوات مفتوحة مع أطراف إقليمية متنافسة، لكنه يضع السودان في موقع شديد الحساسية مع تصاعد الاستقطاب الإقليمي بين المحورين السعودي والإيراني.

الرياض وأبوظبي… رؤيتان مختلفتان

ورغم التقارب الاستراتيجي بين السعودية والإمارات في العديد من الملفات، فإن الحرب السودانية كشفت عن اختلاف في مقاربة كل منهما للأزمة.

فالسعودية تنظر إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، ولذلك تعطي الأولوية لحماية الممرات البحرية ومنع أي تهديد لحركة التجارة وإمدادات الطاقة، بالتوازي مع استمرار جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

أما الإمارات، فتتبنى رؤية تركز بصورة أكبر على الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تضمن استقرار السودان على المدى الطويل، انطلاقاً من قناعة بأن أي ترتيبات أمنية لن تحقق أهدافها إذا بقيت جذور الأزمة السياسية دون معالجة.

كما أن الحضور الإماراتي الواسع في موانئ القرن الأفريقي وسواحله يجعلها لاعباً رئيسياً في أي ترتيبات مستقبلية تخص البحر الأحمر، وهو ما يدفع العديد من المحللين إلى الاعتقاد بأن نجاح أي منظومة أمنية إقليمية سيظل مرتبطاً بوجود تفاهم سعودي ـ إماراتي حول مستقبل السودان.

أمن الملاحة يرتبط بمستقبل الدولة السودانية

تكشف التطورات الأخيرة أن حماية البحر الأحمر لم تعد قضية بحرية خالصة، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة وثيقة بمستقبل الدولة السودانية نفسها. فكلما اتسعت رقعة الحرب وامتدت آثارها نحو الساحل الشرقي، ارتفعت احتمالات تهديد خطوط الملاحة الدولية، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي والإقليمي المتزايد بمسار الأزمة السودانية.

كما أن استمرار النزاع يضاعف المخاوف من تحول السودان إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار في محيط البحر الأحمر، بما ينعكس على حركة التجارة العالمية، وأمن الطاقة، والاستثمارات الإقليمية في الموانئ والبنية التحتية البحرية.

ولهذا، يربط عدد متزايد من الخبراء بين نجاح المبادرات الأمنية في البحر الأحمر وبين التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة داخل السودان، باعتبار أن الأمن البحري لا يمكن عزله عن الاستقرار السياسي للدول المطلة عليه.

مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الإقليم

تشير المؤشرات إلى أن التحالف البحري السعودي لا يمثل مجرد ترتيبات عسكرية لحماية الملاحة، بل يعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومع تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية، تبدو الحرب السودانية أكثر ارتباطاً من أي وقت مضى بالتحولات الإقليمية الكبرى.

ويبقى السؤال المطروح في الأوساط الدبلوماسية هو ما إذا كانت الحاجة المشتركة لحماية البحر الأحمر ستدفع القوى الإقليمية إلى تنسيق أوسع بشأن السودان، بما يفتح الباب أمام تسوية سياسية جديدة، أم أن استمرار التنافس على النفوذ سيجعل الأزمة السودانية جزءاً دائماً من معادلات الصراع الإقليمي.

وفي جميع الأحوال، أصبح من الواضح أن مستقبل البحر الأحمر ومستقبل السودان باتا ملفين متداخلين، وأن أي تحول في أحدهما ستكون له آثار مباشرة على الآخر، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتغيرات متسارعة وحسابات استراتيجية معقدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!