رأي

تأسيس… مشروع عابر للجغرافيا والاثنيات 

الغالي شقيفات

 

الغالي شقيفات

انشغلت بعض منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بخروج عدد من الشخصيات من صفوف قوات الدعم السريع وإعلان انضمامها الكامل إلى معسكر بورتسودان، في مشهد حاول البعض تقديمه باعتباره تحولاً سياسياً أو عسكرياً مؤثراً، بينما هو في حقيقته يعكس طبيعة الاضطراب والانتهازية التي صاحبت بعض الأفراد منذ بداية الأزمة.

فهؤلاء أنفسهم قضوا قرابة ثلاثة أعوام يرفعون شعارات الجاهزية والاستعداد للحرب، ويتحدثون عن مواجهة ما وصفوه بالظلم والتهميش، قبل أن ينتهوا اليوم إلى الاصطفاف مع ذات المنظومة التي قصفت مدنهم، واستهدفت أهلهم، وفرضت على مجتمعاتهم عزلة اجتماعية واقتصادية قاسية، وأدخلت مناطق واسعة في دوائر الموت والخراب.

والمفارقة الكبرى أن بعض هؤلاء باتوا يدّعون تمثيل مكوناتهم الاجتماعية، بينما أبناء تلك المكونات أنفسهم ما يزالون في مقدمة الصفوف، يقاتلون ويقدمون الشهداء والجرحى والأسرى والمفقودين دفاعاً عما يعتبرونه قضية تاريخية لشعوب الهامش السوداني.

والأكثر إثارة للأسى أن الذين هرولوا نحو معسكر بورتسودان لم يتمكنوا حتى من القيام بأبسط الواجبات تجاه ذويهم ومجتمعاتهم، إذ عجزوا عن إطلاق سراح المعتقلين من أبناء مناطقهم، أو حتى زيارتهم داخل سجون بورتسودان والقبة وأبو لهب، رغم أن كثيرين منهم اعتُقلوا على أساس التصنيف الإثني والجغرافي وحده.

ومعلوم أن عدداً من هذه الشخصيات ظل يتنقل بين الولاءات والتحالفات بصورة مستمرة، فلم يكن ولاؤهم الأول للبشير ولا الأخير للبرهان أو غيره، بل ظلت تحكمهم حسابات المصالح الضيقة أكثر من أي قناعة مبدئية أو مشروع سياسي حقيقي.

وقد صدق القول العربي القديم: “الخائن لا يؤتمن، وناكر الجميل لا يؤنس”. فحين يفقد الإنسان وفاءه لقضيته وأهله، يصبح مستعداً لبيع كل شيء مقابل مكاسب مؤقتة أو مواقع عابرة.

لكن ما يجري اليوم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره أزمة داخل مشروع “تأسيس”، بل باعتباره مرحلة طبيعية تمر بها كل الثورات الكبرى، حيث تتساقط العناصر المترددة والمتفلتة مع أول اختبار حقيقي للثبات والانضباط.

فبعد إعلان نيروبي والشروع في استكمال هياكل السلطة التنفيذية والتشريعية، بات واضحاً أن مشروع “تأسيس” تجاوز حدود الجغرافيا والاثنيات والأشخاص والمحاصصات، وأصبح مشروعاً سياسياً واسعاً يسعى لإعادة صياغة الدولة السودانية على أسس جديدة.

والمطلوب اليوم ليس الانغلاق أو الانكفاء الذاتي، بل مواصلة الانفتاح الداخلي والخارجي، وتوسيع دائرة المشورة، والمضي قدماً في بناء جبهة عابرة للهويات الضيقة، قادرة على مخاطبة قضايا السودانيين جميعاً.

أما الذين اختاروا خلع ثوب الوفاء وارتداء رداء الخذلان، فسيكتشفون عاجلاً أم آجلاً أن التاريخ لا يحفظ أسماء العابرين، بل يخلّد فقط الذين ثبتوا حين اهتز الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!