رأي

مصر والملف السوداني…تاريخ طويل من الغطرسة والتآمر 

عبدالرحمن أبو رندة/ بنسلفانيا

مصر والملف السوداني…تاريخ طويل من الغطرسة والتآمر

عبدالرحمن أبورندة – بنسلفانيا

تقارير أممية تكشف تورط القاهرة في الحرب السودانية: استخدام أسلحة كيماوية، ترحيل لاجئين قسريًا، وتشجيع انتهاكات ممنهجة.

فهل يمكن لمن تلطخت يداه بالنزاع أن يكون وسيطًا للسلام؟

في كل الحروب التي عاشها السودان، كانت الأطراف الإقليمية حاضرة بصورةٍ أو بأخرى، لكن الدور المصري في الحرب الحالية تجاوز كل الخطوط التقليدية للتدخل السياسي إلى مساحةٍ أخطر تُهدد الأمن القومي السوداني في جوهره.

فالتقارير الأممية الأخيرة التي قُدّمت لمجلس الأمن، كشفت بوضوحٍ حجم الانخراط المصري في الحرب، ودعمت شهادات عديدة تؤكد أن القاهرة لم تكن مراقبًا محايدًا، بل طرفًا فعّالًا ساهم في تأجيج الصراع وتسليح أحد أطرافه.

ووفقًا لمندوبة الأمم المتحدة، فإن مصر استخدمت أسلحةً محظورة بينها مواد كيماوية في مناطق النزاع، وساهمت في ترحيل آلاف اللاجئين قسرًا إلى مناطق غير آمنة، بل وشجّعت على ممارسات تُصنَّف كجرائم ضد الإنسانية — من بينها الاغتصاب كسلاح حرب.

هذه الاتهامات ليست مجرد إشارات سياسية، بل وثائق رسمية مدعومة بأدلة ميدانية وشهادات مستقلة، وهو ما يجعل مصر، من الناحية الأخلاقية والقانونية، غير مؤهلة إطلاقًا للعب أي دور وساطة في الأزمة السودانية.

لقد أشار المفكر الدكتور النور حمد إلى هذه المفارقة حين قال: “مصر اليوم مع الرباعية… وضدها في الوقت نفسه”، في إشارة إلى أن وجودها في الرباعية الدولية الخاصة بالملف السوداني لا يضيف شيئًا سوى مزيد من التعقيد والتوتر. فكيف لطرفٍ مُدان أن يكون وسيطًا نزيهًا؟ وكيف يمكن للرباعية أن تنجح ومصر جزء من المشكلة لا جزء من الحل؟

منذ سنوات طويلة، تتعامل القاهرة مع السودان باعتباره حديقتها الخلفية، لا كدولة ذات سيادة وشعبٍ حرٍّ وشريك متكافئ. دعمت أنظمةً عسكرية فاسدة لأنها تخدم مصالحها المائية والسياسية، وتغاضت عن القهر والفساد طالما أن ذلك يضمن لها تدفق المياه والذهب.

لقد تسربت مصر إلى داخل السيادة السودانية عبر أنظمة ضعيفة، وجدت فيها ضالتها لتُنفّذ أجندتها دون رقيب، مستخدمة أدواتها الاستخباراتية والاقتصادية، ومتحكمة في القرار السيادي عبر نفوذها داخل المؤسستين العسكرية والأمنية.

اليوم، وبينما يحترق السودان، ما زالت القاهرة تراهن على رماد الحرب لتُعيد إنتاج نظامٍ تابعٍ لها. لكنها تتناسى أن السودان تغيّر، وأن الوعي الجمعي لشعبه بات قادرًا على كشف المؤامرات وإفشالها. فزمن الوصاية انتهى، ومصر — التي ساهمت في خراب السودان — ستجد نفسها قريبًا أمام واقعٍ جديدٍ لا مكان فيه للمتآمرين ولا للوسطاء الزائفين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!