رأي

عقوبات الولايات المتحدة أم أيديولوجية الإخوان؟

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

“الذين ينتظرون أن يحدث تغيير شامل في السودان واهمون… وإذا سقط الزمام من يد هذه الحكومة فسيدخل السودان في فوضى شاملة…”

— أمين حسن عمر، 6 يوليو 2012

يمثل هذا التصريح مدخلاً مهماً لفهم طريقة تفكير جزء من النخب التي ارتبطت بالسلطة في السودان خلال فترة حكم نظام الإسلاميين. فهو لا يُقدَّم فقط كتحليل سياسي لمرحلة بعينها، بل يعكس تصوراً يعتبر أن بقاء الاستقرار مرهون باستمرار منظومة حكم محددة، وأن أي انتقال خارج هذا الإطار قد يقود تلقائياً إلى الفوضى. بالنسبة للقارئ غير السوداني، يساعد هذا الطرح على فهم الخلفية الذهنية التي صاغت الكثير من المواقف السياسية في تلك المرحلة.

شهد السودان خلال العقود الماضية تداخلاً معقداً بين السياسة والأمن والاقتصاد، حيث ارتبطت إدارة الدولة بشبكات نفوذ اقتصادية ومراكز قوة متداخلة مع السلطة السياسية. هذا التشابك جعل من التحكم في الموارد وإدارتها عنصراً محورياً في معادلة الحكم، وليس مجرد شأن إداري تقني. وفي هذا السياق، اكتسبت بعض الخطابات السياسية قوتها من قدرتها على التعبير عن هذه الشبكات، أكثر من اعتمادها على مؤسسات الدولة الرسمية.

إن فهم هذا الخطاب يرتبط بشكل أساسي بتتبع مصادر القوة التي اعتمد عليها نظام الإخوان في السودان خلال فترة حكمه، والتي تمثلت في السيطرة على مفاصل اقتصادية مؤثرة، وشبكات مصالح ممتدة مرتبطة بالسلطة، إلى جانب نفوذ داخل أجهزة الدولة مكّنه من إدارة الموارد وتوجيهها خارج إطار الشفافية المؤسسية. وإلى جانب ذلك، لعبت العلاقات الأيديولوجية دوراً مكملاً، إذ أتاحت قنوات دعم وتنسيق عابرة للحدود، يمكن أن تتبلور منها شبكات نفوذ أيديولوجية عابرة للحدود، على شكل جماعات ضغط (lobbying networks) عبر قنوات دعم وتمويل وعلاقات تنظيمية غير مباشرة. هذه العناصر مجتمعة شكّلت مصدر الثقة الذي استند إليه الخطاب، حيث وفرت للنظام قدرة على التأثير في موازين القوة الداخلية والحفاظ على تماسكه السياسي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن الفوضى انعكاساً لمخاوف مرتبطة باحتمال فقدان هذه المصادر أو إعادة توزيعها، أكثر من كونه قراءة محايدة لمستقبل البلاد.

نجح النظام في فترات سابقة في التكيّف مع العقوبات والالتفاف عليها عبر الاستفادة من خبراته المتراكمة، ومن المسافة الزمنية بين صدور القرارات الدولية ودخولها حيز التنفيذ الفعلي كأوامر تنفيذية. وقد أتاح له ذلك هامشاً عملياً لإعادة ترتيب أوضاعه، وتفعيل قنوات بديلة، والتعامل مع القيود المفروضة دون أن تؤدي فوراً إلى تغيير جذري في سلوكه أو بنيته. هذا النمط من الاستجابة يعكس قدرة على التكيّف مع الضغوط الخارجية، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول فعالية آليات العقوبات إذا لم تُواكب بإجراءات تنفيذية سريعة وتنسيق دولي أكثر إحكاماً.

وتبرز المفارقات السياسية بشكل واضح عند النظر إلى سلوك النظام في تلك المرحلة. ففي العام نفسه الذي صدر فيه هذا الخطاب، كان الحزب الحاكم المرتبط بتنظيم الإخوان في السودان ينخرط في الدفاع عن قوات الدعم السريع أمام جلسات الأمم المتحدة، حيث سعى إلى نفي الاتهامات الموجهة إليها والتقليل من حجم الانتهاكات المنسوبة لها آنذاك. هذه القوات نفسها، التي كانت تُقدَّم في حينها كجزء من المنظومة الأمنية للدولة وتعمل بتفويض قانوني، أصبحت لاحقاً طرفاً رئيسياً في الحرب التي اندلعت داخل البلاد.

هذا التباين يعكس طبيعة إدارة العلاقات داخل منظومة الحكم، حيث يتم التعامل مع المكونات المختلفة وفق اعتبارات ظرفية مرتبطة بتوازنات القوة، وبما يخدم استمرارية السيطرة على الدولة ومواردها. كما يوضح كيف يمكن أن تتغير مواقف الفاعلين السياسيين تجاه نفس الأطراف مع تغير السياق، دون أن يكون هناك بالضرورة تحول مؤسسي واضح أو إطار ثابت يحكم هذه التحولات.

في المقابل، جاءت ثورة ديسمبر كتعبير واضح عن إرادة شعبية رافضة لهذا النمط من الحكم، حيث عبّر السودانيون عن موقفهم بشكل صريح تجاه منظومة سياسية امتدت لعقود. وقد أعادت هذه اللحظة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وأكدت أن مصدر الشرعية لا يمكن أن يقوم على الاحتكار أو الإقصاء، بل على التوافق الشعبي والمؤسسات الدستورية.

وعند مقارنة أنماط التعاطي مع الموارد والمناطق المختلفة، تظهر أيضاً فروقات لافتة في مستوى الحماية والاهتمام. فقد شهد حقل هجليج النفطي ترتيبات وتفاهمات سريعة هدفت إلى الحفاظ على منشأة ذات أهمية اقتصادية عالية، مع تجنب التصعيد العسكري حولها. في المقابل، تعرضت مناطق أخرى في غرب السودان لنزاعات أكثر حدة، انعكست آثارها بشكل مباشر على المدنيين والبنية التحتية، بما في ذلك استهداف منشآت خدمية مثل مشفى الضعين. هذا التباين يسلط الضوء على اختلاف الأولويات المرتبطة بطبيعة الموقع وأهميته الاقتصادية والسياسية.

إن قراءة هذا التباين لا تكتمل دون الإشارة إلى أن الخطاب الذي يربط بين التغيير والفوضى لا يمكن فصله عن بنية القوة التي تشكلت خلال سنوات الحكم السابقة. فالثقة التي يستند إليها هذا الخطاب لا تنبع فقط من تصور سياسي، بل من منظومة واقعية من النفوذ الاقتصادي، والعلاقات الداخلية والخارجية، والقدرة على إدارة الموارد والتأثير في مراكز القرار.

في النهاية، فإن فهم الحالة السودانية يتطلب تجاوز الخطاب المبسط الذي يختزل المستقبل في خيارات ثنائية، والنظر بدلاً من ذلك إلى التفاعلات العميقة بين السياسة والاقتصاد والمجتمع. فالمسألة لا تتعلق فقط بصراع على السلطة، بل أيضاً بإعادة تشكيل مصادر القوة، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، في سياق يتغير تدريجياً تحت تأثير الوعي الشعبي والتحولات الداخلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!