رأي

بانجول تفتح ملف التهجير القسري في السودان

ابوعبدالله الراشدي

أبو عبد الله الراشدي 

 

البيت ليس جدراناً فقط، بل ذاكرة وأمان وحق لا يسقط بالحرب

في وقتٍ تتسع فيه رقعة الحرب في السودان، وتتراجع فيه المساحات الآمنة أمام ملايين المدنيين، جاءت الفعالية الجانبية التي احتضنتها مدينة بانجول على هامش أعمال الدورة السابعة والثمانين للمفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، لتعيد وضع معاناة السودانيين في قلب النقاش الحقوقي الأفريقي والدولي، ولتفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بعمليات هدم المنازل والتهجير القسري التي تشهدها ولاية الخرطوم.

لم تكن الفعالية مجرد ندوة عابرة ضمن جدول مزدحم بالاجتماعات، بل مثّلت منصة مواجهة قانونية وأخلاقية مع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وخطورة في السودان اليوم؛ قضية اقتلاع السكان من أحيائهم وتجريدهم من حقهم الأساسي في السكن والأمان، تحت مبررات إدارية وأمنية تثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية.

وقد اكتسبت الفعالية أهميتها من طبيعة الرسائل التي حملتها، ومن تنوع المشاركين فيها، حيث جمعت بين حقوقيين وخبراء قانون ودبلوماسيين وناشطين سودانيين وأفارقة، في مشهد عكس تنامي القلق الإقليمي تجاه الانتهاكات المرتبطة بالحرب في السودان.

الرسالة الأبرز التي خرجت بها الفعالية تمثلت في التأكيد على أن ما يجري في مناطق واسعة من الخرطوم لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد “إزالة سكن عشوائي”، وإنما كجزء من أزمة إنسانية وحقوقية ذات أبعاد خطيرة، خاصة مع تصاعد الاتهامات بوجود استهداف لمجتمعات بعينها على أسس جغرافية وعرقية.

وقد شكّل العرض التوثيقي الذي قدمه الأستاذ عبدالباقي جبريل لحظة مؤثرة داخل القاعة، بعدما نقل للحضور صوراً وشهادات مباشرة من مواطنين فقدوا منازلهم ومصادر استقرارهم. المشاهد التي أظهرت جرافات تهدم أحياء كاملة، ومواطنين يقفون وسط الركام بلا مأوى، منحت النقاش بعداً إنسانياً يتجاوز الأرقام والتقارير الجامدة.

لكن أكثر ما منح الفعالية ثقلاً قانونياً وسياسياً، كان المداخلة التي قدمتها المحامية نفيسة حجر، نائب رئيس هيئة محامي دارفور، والتي وضعت ما يحدث في إطار قانوني واضح، معتبرة أن عمليات الهدم والإخلاء القسري تمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية المدنيين.

حديث نفيسة حجر لم يكن خطاباً عاطفياً بقدر ما كان مذكرة اتهام قانونية متكاملة، استندت إلى مبادئ حقوق الإنسان ونظام روما الأساسي والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، لتؤكد أن حرمان آلاف الأسر من السكن والحماية في ظل الحرب يرقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب التحقيق والمساءلة.

كما حملت الفعالية رسالة سياسية مهمة مفادها أن قضية ضحايا الحرب في السودان لم تعد محصورة داخل حدود البلاد، بل أصبحت حاضرة بقوة داخل المؤسسات الحقوقية الأفريقية، وسط دعوات متزايدة لوقف الانتهاكات، وإرسال بعثات تقصي حقائق، وتعزيز آليات العدالة وعدم الإفلات من العقاب.

لقد أعادت فعالية بانجول التذكير بأن الحرب لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل أيضاً بعدد الذين يُنتزع منهم الأمان والبيت والكرامة. وفي بلدٍ أنهكته الصراعات والانقسامات، بدت هذه الفعالية وكأنها محاولة لإعادة صوت الضحايا إلى الواجهة، وتأكيد أن الدفاع عن حقوق المدنيين سيظل معركة مفتوحة حتى في أحلك الظروف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!