رأي

كيف تسعى الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية( Sarho ) لترسيخ الحوكمة الرشيدة وتعزيز الثقة في العمل الإنساني؟

محمد صالح سليمان فرج الله

 

  •  محمد صالح سليمان فرج الله

باحث في قضايا الحوكمة والإدارة العامة

 

في ظل التعقيدات الإنسانية والأمنية التي تشهدها ولاية شمال دارفور، برزت خلال الفترة الأخيرة محاولات مؤسسية تهدف إلى تعزيز مفاهيم الإدارة الرشيدة والشفافية داخل القطاع الإنساني ، باعتبارها أحد الشروط الأساسية لاستمرار الثقة بين المجتمعات المتضررة والجهات المنفذة والمانحين الدوليين . وفي هذا السياق، برزت الوكالةالسودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية بمدينة الفاشر كإحدى المؤسسات التي تبنت بصورة متزايدة سياسات وإجراءات تنظيمية تستهدف تطوير الأداء المؤسسي ، وتحسين آليات الرقابة والمتابعة ، والحد من الممارسات المرتبطة بالمحسوبية وضعف المساءلة، وذلك ضمن بيئة تشغيلية شديدة التعقيد فرضتها الحرب وتداعياتها الإنسانية الواسعة.

وخلال متابعتي الميدانية لعدد من التقارير والإجراءات الإدارية الصادرة عن الوكالة، يمكن ملاحظة توجه واضح نحو بناء منظومة عمل أكثر انضباطا، تقوم على التوثيق المستمر، وتعزيز الرقابة الداخلية ، وربط المسؤوليات بمعايير الأداء والكفاءة المهنية.

وقد شملت هذه التوجهات عددا من الإجراءات العملية، من بينها:

1- تكثيف المتابعة الميدانية للمخازن ومراكز التوزيع وسلاسل الإمداد.

2- تشديد إجراءات حفظ العهد والأصول والمواد الإغاثية.

3- اعتماد آليات رقابة داخلية تهدف إلى تعزيز المساءلة المؤسسية وتقليل فرص التجاوزات الإدارية.

4- تطوير إجراءات التوثيق والتقارير الدورية المتعلقة بحركة المساعدات والعمليات التشغيلية.

5- تعزيز ثقافة الانضباط الوظيفي وربط الأداء بمعايير الكفاءة والالتزام المهني .

كما تشير المعطيات المتاحة إلى أن الوكالة إتجهت نحو تطبيق أدوات تنظيمية حديثة في بعض الجوانب الإدارية ، بما في ذلك تطوير نظم تسجيل أكثر انتظاما للموردين والمتطوعين ، والعمل على تحسين آليات حصر المستفيدين وتوثيق عمليات التوزيع بصورة تقلل من فرص الازدواجية أو التداخل .

ويرى عدد من المتابعين للشأن الإنساني في شمال دارفور أن أهمية هذه الخطوات لا تكمن فقط في بعدها الإداري، وإنما في توقيتها الحساس، خاصة في ظل تصاعد التحديات الإنسانية وازدياد الحاجة إلى مؤسسات قادرة على إدارة الموارد الإغاثية بدرجة أعلى من الشفافية والكفاءة.

فالعمل الإنساني في مناطق النزاع لم يعد يقاس فقط بحجم المساعدات التي تدخل إلى المناطق المتأثرة ، بل بمدى قدرة المؤسسات على ضمان وصول تلك المساعدات إلى مستحقيها وفق إجراءات واضحة وعادلة وقابلة للمراجعة.

وفي هذا الإطار ، برز داخل الوكالة خطاب إداري يركز بصورة متزايدة على مفاهيم الحوكمة الرشيدة، وإدارة المخاطر، وحماية الموارد العامة، باعتبارها عناصر أساسية للحفاظ على استمرارية العمل الإنساني واستعادة الثقة داخل بيئة تعاني من هشاشة كبيرة وتعقيدات ميدانية مستمرة.

كما ساهمت الوكالة ، بحسب البيانات التشغيلية والتقارير الداخلية المتاحة ، في تنفيذ برامج إغاثية استهدفت دعم الأسر المتضررة والنازحين، وشملت توزيع مواد غذائية وإيوائية وفق ترتيبات تنظيمية هدفت إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة والانضباط في عمليات التوزيع.

ومن المهم الإشارة إلى أن تقييم أي تجربة مؤسسية في بيئات النزاع يجب أن يتم بصورة مهنية ومتوازنة ، تستند إلى الوقائع والإجراءات الموثقة، بعيدا عن المبالغات أو الأحكام المطلقة . غير أن ما يمكن رصده بوضوح هو وجود محاولة فعلية داخل الوكالة لبناء نموذج إداري أكثر التزاما بمبادئ النزاهة والشفافية ، وهي خطوة تظل ذات أهمية كبيرة في السياق الإنساني الراهن بشمال دارفور.

وفي ظل التحديات الحالية، تبدو الحاجة ملحة إلى دعم كل المبادرات المؤسسية التي تعمل على تطوير آليات الحوكمة والمساءلة داخل القطاع الإنساني، بما يسهم في حماية الموارد الإغاثية وتعزيز ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في عدالة وفاعلية العمل الإنساني.

وفي النهاية ، لا تبدو الحوكمة في سياق الكارثة مجرد أدوات رقابية أو ترتيبات إدارية لضبط الموارد، بل تتحول إلى سؤال ابستمولوجي معقد يتعلق بكيفية صناعة الحقيقة داخل فضاء تتداخل فيه الحاجة مع السلطة، والنجاة مع الشك، والإنسان مع هشاشة الواقع.

فالمساعدات الإنسانية لا تتحرك فقط عبر الشاحنات والمخازن ومسارات الإمداد ، وإنما تعبر أيضا عبر طبقات غير مرئية من الثقة والشرعية والمعنى الأخلاقي . ولهذا فإن أزمة العمل الإنساني في مناطق النزاع لا تكمن دائما في ندرة الموارد ، بقدر ما تكمن في اهتزاز الثقة في المؤسسات التي تدير تلك الموارد .

إن ما تحاول الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية بناءه في الفاشر يتجاوز حدود الإدارة اليومية للأزمة ، لأنه يمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة والمجتمع ، وبين السلطة والمسؤولية ، وبين الإغاثة وكرامة الإنسان.

وربما لا تكمن أهمية التجربة في ادعاء الوصول إلى نموذج كامل ، بل في قدرتها على فتح نافذة مختلفة داخل مشهد مثقل بالانهيار ، نافذة تقول إن النزاهة لا تزال ممكنة ، وإن الشفافية يمكن أن تصبح شكلا من أشكال العدالة ، وإن بناء الثقة في زمن المجاعة والحرب قد يكون أعظم من مجرد توزيع الغذاء نفسه.

ففي الأماكن التي ينهار فيها كل شيء ، تصبح الحقيقة آخر ما يجب حمايته.

وتصبح الحوكمة ، في معناها الأعمق ، محاولة لإنقاذ المعنى قبل إنقاذ المؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!