رأي

حين انتفضت التروس دفاعاً عن السودان :من نهب الثروات لاستعادة الدولة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

إذا نُهبتْ خياراتُ الأرضِ والأبناءُ جِيَاعٌ، سقطتْ شرعيةُ القصورِ ونطقتْ ثوراتُ الهامشِ الأبي

تمرّ الدولة السودانية بمنعطف تاريخي واستثنائي يعيد صياغة مفاهيم السيادة الوطنية من نقطة الصفر، حيث تبرز الإرادة الشعبية الجسورة كصمام أمان وحيد لإنقاذ مقدرات البلاد من التبديد الممنهج والنهب الخارجي المنظم. ويتجسّد هذا الوعي المتقدم والموقف الوطني النبيل في الحراك الاستراتيجي لـ “ترس الشمال”؛ هذا الفعل الثوري الفارق الذي استطاع أن يشكّل سدًا منيعًا ضد استنزاف وتهريب موارد وثروات الشعوب السودانية نحو الجارة الشمالية مصر، والتي تجاوزت ممارساتها كل حدود السوء والصلف الإقليمي المعهود عبر التاريخ. إن هذا الموقف المتقدم يتطلب التزامًا جماهيريًا شاملًا، وتفاعلًا بنيويًا عميقاً من كافة المكونات، استصحابًا وتطويراً للطرح المفاهيمي الذي قدمه المفكر الدكتور النور حمد بضرورة تحويل هذا الحراك الإقليمي إلى “ترس السودان” الشامل لوقف النزيف التاريخي للاقتصاد الوطني، حيث دفعت الشعوب السودانية أثمانًا باهظة من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها جراء استغلال ثرواتها من قِبل طرف إقليمي أثبتت الوقائع تعامله كعدو لدود لا يتوانى عن إفقار وتجويع جيرانه لصالح رفاهيته الخاصة.

وتتزايد المؤامرات اليوم في ظل أنباء متواترة تؤكد سعي الجانب المصري لفض هذا الترس بالقوة العسكرية وتحت غطاء أمني، مستلهمًا السيناريوهات الدموية لـ “فض الاعتصام” التاريخي، في خطوة تكشف مدى الرعب الإقليمي من استيقاظ الوعي الشعبي السوداني وامتلاكه لزمام المبادرة. والمؤسف والمخزي في هذا المشهد هو التواطؤ المكشوف والواضح من قِبل سلطة الأمر الواقع في بورتسودان؛ حيث يثبت الجيش السوداني الحالي، عبر عقيدته المشوهة وقيادته المرتهنة، أنه ليس سوى “جيش مصر الرابع” الذي وُظِّف لحراسة وتأمين المصالح الاستراتيجية للقاهرة على حساب جماجم ومعاناة السودانيين الذين يفتك بهم الجوع والجهل والمسغبة. إن هذه التطورات الخطيرة تستدعي يقظة وطنية قصوى لإحباط كافة المخططات والدسائس التي تقودها قيادة البرهان العَمِيلة، والتي لم تكتفِ بتسهيل نهب الثروات، بل شرعنت احتلال الأراضي السودانية في حلايب وشلاتين وأبو رماد، وصمتت صمت القبور عن الاستهداف والقتل الممنهج مع سبق الإصرار والترصد للمعدنيين الأهليين السودانيين داخل حدودهم الوطنية ومجالهم السيادي المهدور.

وفي خضم هذه المعركة الفاصلة بين قوى التأسيس وقوى الارتهان للخارج، يبرز سؤال جوهري ومنطقي يستوجب الوقوف عنده ومكاشفة الرأي العام الوطني بخصوصه، وهو موجه مباشرة وبأعلى صوت إلى حكومة تأسيس، بصفتها السلطة التي تتبنى مشروع “السودان الجديد” وتعهدّت بوضع حد حاسم للتدخلات المصرية السافرة وتحقيق الاستقلال الكامل: كيف تخرج هذه الموارد الاستراتيجية والمنتجات الحيوية من المناطق الواقعة تحت سيطرة وإشراف “تأسيس” لتصل إلى مسارات التهريب نحو الشمال؟ وذلك على الرغم من صدور توجيهات صريحة وصارمة من السيد القائد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام الانتقالية بمنع خروج وتصدير الموارد كليًا لضمان الأمن الغذائي والاقتصادي للشعوب السودانية. ومع علمنا التام وتأكيدنا على أن ضباط وجنود جيش البرهان هم من يشكلون أحزمة الحماية والترفيق الأمني لقوافل النهب المتجهة نحو معابر الجارة الشمالية، فإن المسؤولية الوطنية والتاريخية والسياسية تحتم على سلطة التأسيس مراجعة آلياتها الرقابية فوراً، وتشديد القبضة الأمنية والإدارية على المعابر والخطوط الفاصلة لمنع استغلال الثغرات، وقطع دابر شبكات المصالح الفاسدة والرمادية التي تقتات على معاناة السودانيين وتساهم في إطالة أمد أزمتهم الوجودية.

إن الواقع المعاش للشعوب السودانية التي تعاني بشكل بشع جداً من مرارات الفقر والمرض والمسغبة، في مقابل التدفق الحر لخيرات أرضها نحو الخارج، يجسد تمامًا بيت الشعر السائر: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول. ومن أجل إنهاء هذه المفارقة المأساوية، يجب أن تتحول الدولة السودانية بأكملها من أقصاها إلى أقصاها إلى “تروس” بشرية واعية وقوى مقاومة منظمة، تتجاوز حدود الجغرافيا والمناطقية الضيقة؛ لحماية السيادة الوطنية المهدورة واسترداد الإرادة السياسية والاقتصادية المصادرة، ووضع حد نهائي وشامل لكل الخونة والعملاء الذين يرهنون مصالح ومستقبل العباد والبلاد للمطامع الخارجية. إنها معركة الكرامة الكبرى التي لا تقبل أنصاف الحلول ولا الرمادية في المواقف، بل تؤسس بدماء الشرفاء ووعي الجماهير لدولة الحرية والعدالة والاستقلال الحقيقي والناجز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!