تقارير وتحقيقات

من شعارات العداء إلى قنوات التفاوض السرية: كيف تحاول الحركة الإسلامية السودانية إعادة التموضع عبر بوابة واشنطن وتل أبيب؟

التنوير تقرير القسم السياسي

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

في الوقت الذي يعيش فيه السودان واحدة من أعقد مراحله السياسية والعسكرية منذ الاستقلال، تتكشف تدريجيًا معارك خفية تدور بعيدًا عن جبهات القتال المشتعلة، معارك تتعلق بإعادة رسم النفوذ وتحديد من سيبقى داخل المشهد السياسي السوداني بعد الحرب.

وخلف الخطابات التقليدية والشعارات الأيديولوجية التي ظلت الحركة الإسلامية السودانية ترفعها لعقود ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت تظهر روايات وتحركات تشير إلى محاولات يقودها قياديون بارزون داخل التيار الإسلامي لفتح قنوات اتصال مباشرة مع دوائر القرار الأمريكية والإسرائيلية، في محاولة لإعادة تسويق أنفسهم كلاعب لا يمكن تجاوزه في مستقبل السودان.

المعطيات التي أوردتها منصة “أفق جديد” تكشف عن تحركات يقودها الأمين العام للحركة الإسلامية علي أحمد كرتي، ضمن مسار سياسي غير معلن يهدف إلى إعادة التموضع وفتح نافذة تفاهم جديدة مع الغرب، في ظل إدراك متزايد داخل الحركة بأن السودان ما بعد الحرب لن يشبه السودان الذي حكمته الحركة الإسلامية لعقود طويلة.

اتصالات خلف الكواليس.. مسار سري لإعادة التموضع

بحسب مصادر متطابقة، فإن علي أحمد كرتي شرع خلال الأشهر الماضية في نسج شبكة اتصالات غير رسمية مع شخصيات نافذة في الولايات المتحدة وإسرائيل عبر وسطاء وشركات ضغط وعلاقات عامة، بعيدًا عن المؤسسات الرسمية للدولة السودانية.

وتقول المصادر إن الهدف الأساسي من هذه التحركات يتمثل في تقديم الحركة الإسلامية باعتبارها القوة السياسية والتنظيمية الأكثر قدرة على الحفاظ على تماسك الدولة السودانية ومنع انهيارها الكامل، خاصة في ظل الانقسامات العسكرية والسياسية المتصاعدة.

وتشير المعلومات إلى أن الرسائل التي جرى تمريرها للدوائر الأمريكية تضمنت استعداد الإسلاميين لعدم عرقلة أي تسوية سياسية تنهي الحرب، بما في ذلك القبول بترتيبات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية أو ملفات المطلوبين للعدالة، مقابل إعادة فتح قنوات التواصل مع المجتمع الدولي ورفع العزلة السياسية المفروضة عليهم منذ سنوات.

إسرائيل في قلب المشهد.. محاولة للعبور عبر النفوذ التقليدي

الأكثر إثارة في هذه التحركات، وفق الروايات المتداولة، أن الاتصالات لم تتوقف عند واشنطن فقط، بل امتدت نحو شخصيات إسرائيلية نافذة يُعتقد أن لها تأثيرًا مباشرًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي.

وتكشف المعلومات أن كرتي سعى إلى الاستفادة من النفوذ الإسرائيلي التقليدي داخل مؤسسات السياسة الأمريكية لتسويق رؤية جديدة عن الإسلاميين السودانيين، تقوم على التحول من خطاب المواجهة العقائدية إلى خطاب الشراكة الأمنية والسياسية.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس حجم التحول الذي أصاب بنية التفكير داخل التيار الإسلامي، إذ انتقل من مرحلة العداء العلني للغرب إلى محاولة تقديم نفسه كشريك محتمل في ملفات أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.

آري بن ميناشي.. الرجل الذي أعاد فتح الملفات القديمة

في قلب هذه الرواية يبرز اسم رجل الأعمال والضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية آري بن ميناشي، مدير شركة “ديكنز آند مادسون” الكندية، والذي كشف عن علاقات واتصالات سابقة جمعته بقيادات سودانية نافذة، بينها علي أحمد كرتي.

وقال بن ميناشي إن شركته لعبت في سنوات ماضية دورًا في ترتيب لقاءات بين شخصيات سودانية ومسؤولين أمريكيين، مشيرًا إلى لقاء شهير جمع كرتي بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا قبل نحو عشر سنوات.

وبحسب روايته، فإن النقاشات التي دارت آنذاك تناولت مستقبل السلطة في السودان وإمكانية إزاحة الرئيس الأسبق عمر البشير، وهو ما يكشف أن بعض أجنحة الحركة الإسلامية كانت تفكر مبكرًا في ترتيبات ما بعد البشير ومحاولة إعادة بناء علاقتها مع الغرب.

كما كشف بن ميناشي عن لقاءات أخرى جمعته بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قال إنها هدفت إلى بناء تفاهمات مع واشنطن قبل اندلاع الحرب الحالية.

هل حاول كرتي تسويق نفسه بديلاً للبشير؟

مصادر دبلوماسية سودانية تحدثت عن أن محاولات علي كرتي للتقارب مع الغرب ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات ما قبل سقوط نظام البشير.

ووفقًا لهذه المصادر، فإن بن ميناشي سبق أن رتّب لقاءً سريًا جمع كرتي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المغرب قبل نحو عقد من الزمان، في إطار محاولات لتقديم كرتي باعتباره شخصية أكثر قبولًا لدى الغرب مقارنة بالبشير.

وتقول المصادر إن كرتي كان يرى أن الانفتاح على الغرب وإعادة التموضع الإقليمي يمثلان ضرورة سياسية لإنقاذ المشروع الإسلامي من العزلة والانهيار، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية آنذاك على نظام الخرطوم.

ويستدعي دبلوماسيون في هذا السياق ما وصفوه بـ”غضبة كرتي” عقب رسو سفن حربية إيرانية في ميناء بورتسودان عام 2012، حيث كان يعتبر أن التوسع في العلاقة مع طهران يضر بفرص السودان في تحسين علاقاته مع الغرب.

الإسلاميون يعرضون أنفسهم كشريك أمني

التحول الأبرز في خطاب الإسلاميين، بحسب متابعين، يتمثل في انتقالهم من منطق “المواجهة الأيديولوجية” إلى منطق “الشراكة الأمنية”.

فالرؤية التي جرى تسويقها للدوائر الغربية — وفق المعلومات المتداولة — لم تركز فقط على الوزن السياسي للحركة الإسلامية داخل السودان، بل قدمتها أيضًا باعتبارها شريكًا قادرًا على التعاون في ملفات الأمن الإقليمي وتأمين البحر الأحمر ومكافحة الجماعات العابرة للحدود.

ويرى محللون أن هذه الرسائل تعكس إدراكًا متزايدًا داخل الإسلاميين بأن العالم لم يعد يتعامل مع السودان من زاوية الصراع الأيديولوجي، وإنما من زاوية المصالح الأمنية والاستراتيجية المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي.

صلاح قوش يدخل على الخط

وفي موازاة تحركات كرتي، كشفت المصادر أن المدير الأسبق لجهاز الأمن والمخابرات السوداني صلاح قوش قدم بدوره تصورات مشابهة للإدارة الأمريكية.

وبحسب الروايات، فإن قوش حاول إقناع الأمريكيين بأن سياسة العزل والعقوبات التي استهدفت الإسلاميين لعقود لم تؤدِّ إلى إسقاطهم، بل ساهمت في تعزيز تماسكهم داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

ودعا — وفق المصادر — إلى تبني مقاربة مختلفة تقوم على استيعاب الإسلاميين بدلًا من إقصائهم الكامل من المشهد السوداني.

غير أن المؤشرات المتوفرة تفيد بأن هذه الطروحات لم تجد اهتمامًا حقيقيًا داخل الإدارة الأمريكية، التي لا تزال تنظر بحذر بالغ إلى أي محاولة لإعادة تدوير القوى المرتبطة بالنظام السابق.

أزمة بقاء داخل الحركة الإسلامية

ويرى مراقبون أن أخطر ما تكشفه هذه الروايات ليس مجرد وجود اتصالات سرية مع واشنطن أو تل أبيب، بل حجم الأزمة الداخلية التي تعيشها الحركة الإسلامية نفسها.

فالحركة التي بنت مشروعها السياسي لعقود على خطاب “العداء للغرب” تجد نفسها اليوم مضطرة  بحسب هذه الروايات  إلى طرق أبواب العواصم الغربية طلبًا للاعتراف السياسي وضمان البقاء.

كما تعكس هذه التحركات إدراكًا متزايدًا داخل التيار الإسلامي بأن موازين القوة القديمة التي حكمت السودان لعقود لم تعد قائمة، وأن مرحلة ما بعد الحرب قد تفرض واقعًا سياسيًا جديدًا يهدد وجودهم بالكامل إذا لم ينجحوا في إعادة التموضع.

واشنطن أقل حماسًا لإعادة إنتاج الماضي

ورغم كل هذه المحاولات، تبدو الولايات المتحدة — وفق معطيات عديدة — أقل حماسًا لإعادة إنتاج القوى القديمة التي ارتبط اسمها بأزمات السودان الممتدة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن دوائر القرار الغربية باتت أكثر اقتناعًا بأن الأزمة السودانية تجاوزت مجرد البحث عن تسوية توقف الحرب، وأصبحت مرتبطة بالحاجة إلى قطيعة شاملة مع الإرث السياسي الذي قاد البلاد إلى الانهيار والصراع.

ولهذا، فإن معركة الإسلاميين اليوم لا تبدو مجرد معركة لاستعادة السلطة، بل معركة بقاء حقيقية داخل مشهد سوداني يتغير بسرعة، وتُعاد فيه كتابة التحالفات والخطابات والأدوار القديمة بصورة غير مسبوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!