
نجوي بابو
يشهد السودان منذ اندلاع النزاع المسلح مرحلة شديدة التعقيد، لم تعد فيها الحرب مقتصرة على المواجهات العسكرية وحدها، بل امتدت لتشمل حربًا نفسية واسعة النطاق وسياسات ممنهجة يمكن وصفها بسياسة فرق تسد ،تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي داخل المجتمعات، خصوصًا في مناطق الشعوب المهمشة مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق. في هذا السياق، لم يعد الصراع يدور فقط حول الأرض أو السلطة، بل أصبح يدور أيضًا حول الوعي، والانتماء، والثقة بين الناس داخل المجتمع الواحد.
تتجلى الحرب النفسية في السودان عبر انتشار الشائعات، والمعلومات المضللة، والمقاطع المجتزأة، والخطابات التحريضية التي تُنشر بكثافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية. هذا النمط من التأثير لا يستهدف الخصم العسكري فقط، بل يمتد ليصيب المدنيين في إدراكهم للأحداث، ويخلق حالة من الارتباك والخوف وانعدام اليقين. وفي كثير من الحالات، تؤدي هذه الشائعات إلى قرارات نزوح أو توتر اجتماعي أو حتى أعمال عنف مبنية على معلومات غير دقيقة، ما يجعل الكلمة والصورة أحيانًا لا تقل خطورة عن الرصاصة.
في الواقع السوداني، يمكن ملاحظة كيف يتم أحيانًا استغلال الحساسيات التاريخية والاجتماعية بين المكونات المختلفة، بحيث تُربط أحداث العنف أو النزاع بهويات قبلية أو جهوية معينة، بدلًا من فهمها في سياقها السياسي أو العسكري. هذا النوع من التعميم يفتح الباب أمام تحويل الصراع من نزاع بين أطراف مسلحة إلى صراع داخل المجتمع نفسه، حيث يصبح الجار موضع شك، ويُنظر إلى الانتماء الاجتماعي كعامل تهديد بدل أن يكون عنصر تعايش.
في مناطق مثل دارفور وكردفان، حيث تتداخل المجتمعات المحلية تاريخيًا في نمط من التعايش والتبادل الاجتماعي، يظهر أثر الحرب النفسية بشكل أكثر وضوحًا. فمع استمرار النزاع، تتراجع الثقة بين المكونات المحلية، وتنتشر روايات متضاربة حول الولاء والانحياز ،ما يؤدي إلى تفكك تدريجي في الروابط الاجتماعية التي كانت تشكل أساس الاستقرار الأهلي. وفي بعض الحالات، يصبح الخوف من الآخر القريب أشد من الخوف من أطراف النزاع البعيدة.
سياسة فرق تسد في هذا السياق لا تعمل بالضرورة من خلال أدوات تقليدية مباشرة، بل عبر إعادة تشكيل الإدراك العام، وتضخيم الفوارق الاجتماعية، وإحياء النزاعات التاريخية، وتغذية الشعور بالتهديد المتبادل بين المجموعات. ومع الوقت، يتحول المجتمع إلى وحدات صغيرة متشككة في بعضها البعض، ما يضعف قدرته على التماسك أو إنتاج حلول داخلية للصراع.
الأثر الإنساني لهذه الديناميكية عميق للغاية، إذ لا يقتصر على فقدان الأمن الجسدي، بل يمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية للأفراد. فحالة القلق المستمر، والخوف من المستقبل، وانعدام الثقة في المعلومات، تؤدي إلى إجهاد نفسي جماعي ينعكس على السلوك اليومي والعلاقات الاجتماعية. كما أن الأطفال والنازحين هم الأكثر تأثرًا بهذا المناخ، حيث ينشأ جيل كامل في بيئة يغلب عليها عدم اليقين والانقسام.
فإن الخطاب الذي يقوم على التحريض على الكراهية أو استهداف المدنيين على أساس الهوية يتعارض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي يؤكد على حماية المدنيين ورفض التمييز والاستهداف الجماعي. كما أن استخدام التضليل الإعلامي كوسيلة لإثارة العنف أو التهجير يمكن أن يرقى إلى انتهاكات جسيمة عندما يرتبط بنتائج ميدانية مباشرة تمس حياة الناس وكرامتهم.
إن خطورة الحرب النفسية وسياسة فرق تسد في السودان تكمن في أنها لا تترك آثارًا آنية فقط، بل تخلق جروحًا اجتماعية طويلة الأمد، يصعب شفاؤها حتى بعد توقف القتال. فهي تعيد تشكيل العلاقات داخل المجتمع على أساس الشك بدل الثقة، والانقسام بدل التعايش، ما يجعل إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة من إنهاء الحرب نفسها.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي أمام السودان ليس فقط وقف إطلاق النار، بل وقف تآكل الثقة بين مكوناته الاجتماعية، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة الجامعة التي تتجاوز الهويات الضيقة، وتؤسس لسلام يقوم على العدالة والاعتراف المتبادل والكرامة الإنسانية للجميع.




