رأي

جبال النوبة.. حين انتصر صوت الأرض على صدى البنادق

عبدالرحمن أبو رندة... بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

في زمنٍ يزداد فيه انقسام العالم وتتعالى فيه أصوات الحرب والدمار، جاءت المناطق المحررة في جبال النوبة لتُثبت من جديد أن إرادة الشعوب، متى ما وُجدت، قادرة على كسر دوائر الصراع، وأنّ السلام ليس حلمًا بعيدًا بل ثمرة وعيٍ وإصرار.

الاتفاق التاريخي الذي تمّ بين أصحاب الأرض والرحّل في هذه المناطق لم يكن مجرّد وثيقة لوقف العدائيات، بل كان إعلانًا صريحًا لانتصار العقل على الغريزة، والحكمة على السلاح، والإنسان على رواسب العداء القديمة.

لقد استطاع تحالف تأسيس أن يُحدث اختراقًا نوعيًا في مشهدٍ ظلّ معقّدًا ومثقلًا بإرث طويل من الاحتكاكات الموسمية بين المزارعين والرعاة. فبدلًا من إدارة الخلاف بمنطق القوة، اختار الناس في المناطق المحررة أن يجعلوا من الحوار منهجًا، ومن التعايش قاعدة لا استثناء. بهذا الفهم، تحوّل الاتفاق من مجرّد وقفٍ للعدائيات إلى مشروع وطني مصغّر يؤسس لسلامٍ مستدام يُبنى من القاعدة إلى القمة.

الاتفاق بين أصحاب الأرض والرحّل حمل في جوهره روحًا جديدة تقوم على احترام حكم القانون، وحماية الأرواح والممتلكات، وتنظيم حركة الرحّل في مواقيت محددة وبمسارات واضحة، مع منع حمل الأسلحة الثقيلة أثناء العبور. كما أكد على أن المسؤولية عن حماية المدنيين تقع على عاتق السلطة القضائية والإدارات المحلية في المناطق المحررة، في خطوةٍ تُكرّس لسيادة القانون وتضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب.

إنّ هذا الاتفاق يعكس وعيًا متقدّمًا بطبيعة الأزمات في جبال النوبة، إذ لم يكتفِ بمعالجة مظاهرها، بل ذهب إلى جذورها الحقيقية المتمثلة في غياب الثقة وانعدام الضوابط المنظمة للتعايش. فحين يتوافق المزارعون والرعاة على كلمة سواء، وينجحون في تحويل التحديات إلى فرص للتعاون، فإنهم بذلك يضعون لبنة أولى في بناء سلامٍ حقيقي لا تصنعه الموائد السياسية البعيدة، بل يصنعه الناس الذين يعيشون تفاصيل المعاناة على الأرض.

لقد برهن هذا التوافق في المناطق المحررة بجبال النوبة أن بناء السلام ليس مهمة فوقية تُدار من الخارج، بل هو فعلٌ إنساني ينبع من إرادة الشعوب حين تدرك أن مستقبلها المشترك أهم من صراعاتها القديمة. وما جرى هناك يُعد درسًا بليغًا لبقية مناطق السودان التي ما زالت ترزح تحت نيران الحرب: فحين يُصغي الإنسان لصوت الأرض، يصمت ضجيج البنادق، وتعود الحقول والمراعي لتكون رموزًا للحياة لا ميادين للصراع.

هكذا ينتصر الوعي، وتنتصر الإرادة، وينتصر الإنسان على نفسه قبل أن ينتصر على عدوه.

إنها رسالة من جبال النوبة إلى الوطن الكبير: السلام ممكن حين يكون الناس هم صانعوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!