
طروم المحترمين
في خضم التحولات العاصفة التي يشهدها السودان، وفي ظل المعركة الوجودية التي تخوضها القوى الساعية لبناء واقع جديد، يبقى جيش “تأسيس” واحداً من أهم الأعمدة التي تستند إليها آمال الناس في الحرية والاستقرار والعدالة. ليس فقط لأنه يحمل السلاح، بل لأنه يمثل بالنسبة لكثيرين رمزاً للصمود والانضباط والإيمان بإمكانية صناعة مستقبل مختلف رغم هذا الركام الهائل من الحرب والانهيار.
لقد أتيحت لي فرصة الاقتراب من هؤلاء الجنود ورؤية تفاصيل حياتهم اليومية عن قرب، فرأيت فيهم قدراً عالياً من الصدق والهدوء والانضباط والإصرار النادر. رأيت شباباً يحملون أوطاناً كاملة فوق أكتافهم، ويواصلون السير رغم قسوة الظروف وضبابية الطريق وطول المعركة. لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن هؤلاء المقاتلين، رغم ما يمتلكونه من عزيمة، يواجهون تحديات معيشية قاسية لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها باعتبارها مسألة ثانوية.
صحيح أن هناك جهوداً بُذلت في ما يتعلق بالتجهيزات العسكرية والملابس والإعاشة، غير أن ذلك لا يكفي لبناء جيش مستقر ومتماسك قادر على الاستمرار في معركة طويلة ومعقدة. فالمقاتل ليس آلة حرب معزولة عن الحياة، بل إنسان لديه أسرة والتزامات واحتياجات يومية وضغوط نفسية ومعيشية لا تنتهي.
إن أكثر ما يحتاجه الجنود اليوم هو توفير حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي عبر رواتب شهرية منتظمة تحفظ كرامتهم وتمكنهم من إعالة أسرهم وتغطية احتياجاتهم الأساسية خارج نطاق الطعام والزي العسكري. فالجيش الذي يُطلب منه الصمود في الميدان يجب أولاً أن يشعر بأن ظهره محمي وأن مؤسساته لا تتركه وحيداً في مواجهة أعباء الحياة.
ما دفعني لكتابة هذه الكلمات ليس الرغبة في النقد أو التقليل من أي جهود قائمة، بل شعور أخلاقي وإنساني بالمسؤولية تجاه رجال يقفون في الخطوط الأمامية بينما تتآكل قدرتهم على الاحتمال بصمت. من المؤلم أن ترى بعض الجنود يتجولون في شوارع العاصمة وهم يتهامسون حول عجزهم عن تدبير أبسط المصاريف الشخصية، في وقت تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات التماسك النفسي والمعنوي.
إن المعارك الطويلة لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما بالقدرة على الحفاظ على الروح المعنوية والولاء والثقة بين القيادة والجنود. وكل تأخير في معالجة الأوضاع المعيشية للمقاتلين قد يفتح أبواب اليأس والتفكك والاستنزاف البطيء، خصوصاً في ظل تعقيدات الواقع السوداني الحالي.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض على قيادة تحالف “تأسيس” وكافة قادة الفرق والألوية والقطاعات أن يجعلوا ملف رعاية الجنود أولوية قصوى، ليس باعتباره بنداً إدارياً عادياً، بل باعتباره جزءاً من معركة البقاء نفسها.
فالجيش المتماسك لا يُبنى فقط بالتدريب والسلاح، وإنما كذلك بالاهتمام بالإنسان الذي يحمل هذا السلاح، وبصناعة بيئة يشعر فيها المقاتل أن تضحياته مقدّرة وأن مستقبله ومستقبل أسرته ليسا خارج حسابات القيادة.
التحية لكل الجنود الصامدين في مواقعهم، ولكل القادة الذين يحملون همّ الوطن في هذه المرحلة الدقيقة، والمجد والخلود للشهداء، وعاجل الشفاء للجرحى، والأمل بأن ينتصر السودان ذات يوم على الحرب والانقسام والفقر والخوف.



