تقارير وتحقيقات

الانشقاقات التي هزّت سردية الحرب: كيف تحوّل متهمون بجرائم حرب من “أعداء الدولة” إلى حلفاء داخل معسكر البرهان!!!!؟؟؟

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية 

 

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية 

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظل الخطاب الرسمي الصادر عن الجيش السوداني وحلفائه السياسيين والإعلاميين قائماً على سردية مركزية واحدة: أن المعركة تُخاض ضد “مليشيا متمردة” تمثل خطراً وجودياً على الدولة السودانية، وأن القضاء عليها يمثل شرطاً لازماً لاستعادة الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة من جديد.

غير أن الانشقاقات الأخيرة داخل قوات الدعم السريع، وما تبعها من استقبال واحتفاء بقادة ميدانيين متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، أعاد طرح أسئلة معقدة حول طبيعة الحرب نفسها، وحدود التناقض داخل التحالفات العسكرية والسياسية، ومعايير العدالة التي يجري استخدامها في الصراع السوداني.

فالشخصيات ذاتها التي جرى تقديمها لعدة أشهر باعتبارها رموزاً لـ”التمرد” ووجوهاً مرتبطة بجرائم الحرب والانتهاكات ضد المدنيين، تحولت فجأة – بمجرد انتقالها إلى صفوف الجيش – إلى “حلفاء” و”أبطال” يجري الترويج لهم داخل المنصات الإعلامية والسياسية الموالية للجيش.

وبينما حاولت بعض الأصوات داخل معسكر البرهان تصوير هذه الانشقاقات باعتبارها “اختراقات استراتيجية” من شأنها إضعاف قوات الدعم السريع، فإن تطورات المشهد كشفت أن القضية أعمق من مجرد تبدل ولاءات عسكرية، وأن الحرب السودانية دخلت مرحلة تتآكل فيها السرديات القديمة تحت ضغط التناقضات السياسية والأخلاقية المتصاعدة.

انشقاقات تكشف هشاشة الخطاب التعبوي

منذ الشهور الأولى للحرب، اعتمد إعلام الجيش السوداني على خطاب تعبوي مكثف يقوم على تصوير المعركة باعتبارها مواجهة فاصلة بين “الدولة” و”المليشيا”، وبين “الشرعية” و”التمرد”.

لكن هذا الخطاب بدأ يتعرض لاختبارات صعبة مع تزايد حالات الانشقاق المتبادلة بين الطرفين، خصوصاً عندما بدأت شخصيات بارزة من قوات الدعم السريع تعلن انضمامها إلى الجيش السوداني.

ففي 11 أبريل الماضي، أعلن القائد الميداني النور القبة انشقاقه عن قوات الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش، قبل أن يصل لاحقاً إلى مدينة دنقلا، حيث حظي باستقبال رسمي من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

وبعده بأسابيع، أعلن علي رزق الله الشهير بـ”السافنا” انضمامه هو الآخر إلى الجيش، بينما كان أبو عاقلة كيكل قد سبقهما منذ نهاية عام 2024 بإعلان انشقاقه وتأسيس ما عُرف لاحقاً باسم “قوات درع السودان”.

هذه التحولات لم تُستقبل داخل معسكر الجيش باعتبارها مجرد وقائع عسكرية، بل جرى التعامل معها كإنجازات سياسية ودعائية كبرى، وامتلأت المنصات الإعلامية المؤيدة للجيش بحملات احتفاء واسعة بالقادة المنشقين.

غير أن هذا الاحتفاء نفسه أعاد فتح ملفات الاتهامات والانتهاكات المرتبطة بهم، وطرح سؤالاً بالغ الحساسية: كيف يمكن للجهة التي خاضت الحرب تحت شعار “محاربة المليشيا الإجرامية” أن تستقبل بعض أبرز قادتها باعتبارهم شركاء في المعركة ذاتها؟

المتهمون أنفسهم… لكن الرايات تبدلت

المفارقة الأساسية في المشهد السوداني الحالي أن الاتهامات الموجهة إلى المنشقين لم تختفِ بمجرد انتقالهم إلى معسكر جديد.

فالنور القبة، الذي جرى استقباله رسمياً بعد انشقاقه، ما تزال تلاحقه اتهامات خطيرة تتعلق بدوره خلال حصار مدينة الفاشر، بما في ذلك تسريبات صوتية نُسبت إليه تضمنت أوامر بقصف معسكر زمزم للنازحين واستهداف مناطق مدنية.

كما تتحدث مصادر داخل قوات الدعم السريع عن أنه كان يعمل لصالح الجيش بصورة غير معلنة قبل انشقاقه الرسمي، وأن بعض الانتهاكات التي وقعت خلال تلك المرحلة ربما ارتبطت بمحاولات توريط الدعم السريع أو خلق مبررات لتصعيد عسكري وسياسي لاحق.

أما أبو عاقلة كيكل، فقد تحول إلى واحد من أكثر النماذج إثارة للجدل في الحرب السودانية.

فالقيادي الذي كان جزءاً من قوات الدعم السريع قبل انشقاقه، فرض عليه الاتحاد الأوروبي عقوبات رسمية في يوليو 2025، بعد اتهامه بالتورط في انتهاكات واسعة ضد المدنيين في ولاية الجزيرة.

وشملت الاتهامات الموجهة إليه عمليات قتل ونهب واستهداف لسكان “الكنابي”، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بعمليات تطهير عرقي وتنفيذ إعدامات ميدانية.

ورغم ذلك، استمر التعامل معه داخل معسكر الجيش باعتباره حليفاً عسكرياً مهماً، في خطوة رأى مراقبون أنها كشفت بوضوح حدود الخطاب الأخلاقي الذي حاولت السلطة العسكرية تسويقه منذ بداية الحرب.

ارتباك سياسي داخل معسكر البرهان

  هذه التناقضات وضعت قيادة الجيش السوداني في موقف سياسي بالغ الحساسية، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بطريقة استقبال المنشقين والترويج لهم إعلامياً.

وفي محاولة لاحتواء الجدل، قال قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إن مسألة “محاسبة أو إعفاء” المنضمين من قوات الدعم السريع “تعود إلى الأجهزة العدلية والشعب السوداني”.

لكن هذه التصريحات لم تُنهِ الأزمة، بل زادت من حدة الجدل، لأن كثيرين رأوا فيها محاولة للهروب من التناقضات التي باتت تحاصر خطاب الجيش.

فالجيش الذي ظل يصف الدعم السريع بأنه “مليشيا إجرامية” وجد نفسه فجأة مضطراً لاستقبال بعض أبرز قادتها وتقديمهم للرأي العام باعتبارهم شركاء جدداً في مشروع “استعادة الدولة”.

ويرى محللون أن هذه التحولات تعكس طبيعة الحرب السودانية بوصفها حرب تحالفات متغيرة أكثر من كونها حرب مبادئ ثابتة، وأن الاعتبارات العسكرية والبراغماتية أصبحت تتقدم على أي حديث يتعلق بالعدالة أو المحاسبة.

العدالة المؤجلة في زمن الحرب

وسط هذا الجدل، برز سؤال العدالة باعتباره أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً وتعقيداً.

فهل يمكن فعلاً محاسبة قادة متهمين بارتكاب جرائم حرب إذا أصبحوا جزءاً من التحالف العسكري الحاكم؟

وهل يمكن لمنظومة عدلية تعمل داخل بيئة سياسية وأمنية مسيطر عليها أن تتعامل بصورة مستقلة مع شخصيات تحظى بحماية سياسية وعسكرية؟

مجموعة “محامو الطوارئ” قدمت موقفاً واضحاً في هذا السياق، عندما أكدت أن المسؤولية الجنائية الفردية لا تسقط بتبدل الانتماءات العسكرية، وأن تغيير الموقع السياسي أو العسكري لا يلغي الجرائم السابقة ولا يعفي مرتكبيها من المحاسبة.

وأضافت المجموعة أن إعادة دمج متهمين بجرائم حرب داخل تشكيلات عسكرية جديدة يمثل تهديداً مباشراً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويقوض فرص العدالة وحقوق الضحايا.

غير أن الواقع الميداني يشير إلى أن العدالة أصبحت واحدة من أكثر القضايا هشاشة داخل الحرب السودانية.

فالتحالفات العسكرية والسياسية باتت تُبنى على أساس الحاجة الميدانية لا على أساس المعايير الأخلاقية أو القانونية، الأمر الذي جعل مسألة المحاسبة تبدو مؤجلة إلى أجل غير معلوم

إعلام الحرب وصناعة الأبطال الجدد

لعب الإعلام الموالي للجيش دوراً محورياً في إعادة إنتاج صورة المنشقين بعد انتقالهم إلى المعسكر الجديد.

فبمجرد إعلان أي قائد انشقاقه عن الدعم السريع، تبدأ عملية إعادة تقديمه للرأي العام باعتباره “وطنياً” أو “عائداً إلى الصف الوطني”، بينما يجري تجاهل أو تهميش الاتهامات السابقة المرتبطة به.

هذا التحول السريع كشف أن معيار “الوطنية” داخل الخطاب الإعلامي لم يعد مرتبطاً بسجل الشخص أو أفعاله، بل بالموقع الذي يقف فيه حالياً.

وفي المقابل، استخدمت قوات الدعم السريع هذه التناقضات لتوجيه ضربات دعائية إلى معسكر الجيش، مؤكدة أن استقبال قادة متهمين بارتكاب انتهاكات يكشف زيف الخطاب الذي بُنيت عليه الحرب.

وبذلك، تحولت الانشقاقات إلى سلاح دعائي متبادل بين الطرفين، بينما بقي الضحايا خارج حسابات المعسكرين.

تسريبات “السافنا” تعمّق الأزمة

أحد أكثر التطورات التي زادت من حدة الجدل كان ظهور تسجيلات مسربة لعلي رزق الله “السافنا”، تحدث فيها بصورة أثارت عاصفة سياسية وإعلامية واسعة.

فالتسجيلات تضمنت حديثاً عن تلقي دعم مالي من جهات خارجية، إلى جانب إشارات ساخرة تجاه حكومة البرهان نفسها، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً على هشاشة السردية التي حاول الإعلام الموالي للجيش تقديمها بشأن “عودة” الرجل.

القيادي بتحالف “صمود” خالد عمر يوسف اعتبر أن التسجيلات تطرح أسئلة خطيرة حول طبيعة التدخلات الخارجية في الحرب السودانية، وحول الجهات التي تمول وتدير بعض التحولات داخل الصراع.

وقال إن “السافنا” لم يعد بوصفه “مستسلماً” أو “تائباً”، بل باعتباره جزءاً من ترتيبات سياسية وعسكرية معقدة ترتبط بحسابات إقليمية تتجاوز الداخل السوداني.

هذه التصريحات أعادت النقاش حول حجم النفوذ الخارجي في الحرب، وكيف أصبحت بعض الانشقاقات مرتبطة بأدوار إقليمية ودولية أكثر من ارتباطها بتحولات ميدانية خالصة.

الحرب التي تلتهم سردياتها

ما يحدث اليوم في السودان يكشف أن الحرب لم تعد قادرة على الحفاظ على سردياتها القديمة.

فالحدود الفاصلة بين “العدو” و”الحليف” أصبحت أكثر سيولة، والخطابات التعبوية التي قامت على تقسيم حاد بين “الدولة” و”المليشيا” بدأت تنهار تحت ضغط الوقائع السياسية والعسكرية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الانشقاقات أقرب إلى عملية إعادة تدوير للتحالفات العسكرية، لا إلى تحولات أخلاقية أو سياسية حقيقية.

فالمتهمون أنفسهم ما يزالون موجودين، والانتهاكات ذاتها ما تزال محل اتهام، لكن الرايات فقط هي التي تبدلت.

وهذا ما جعل كثيرين ينظرون إلى الحرب السودانية باعتبارها حرب مصالح وتحالفات متحركة أكثر من كونها حرباً تدور حول مشروع وطني واضح أو رؤية متماسكة لبناء الدولة.

الضحايا خارج الحسابات السياسية

وسط كل هذه التحولات، يبقى الضحايا الطرف الأكثر غياباً عن المشهد.

فالأسر التي فقدت أبناءها، والنازحون الذين تعرضوا للهجمات، والمجتمعات التي شهدت انتهاكات واسعة، لا تبدو حاضرة داخل حسابات التحالفات العسكرية المتغيرة.

 

بل إن بعض المتهمين بالمسؤولية عن تلك الانتهاكات باتوا يُستقبلون رسمياً ويُقدَّمون باعتبارهم “مكاسب” سياسية وعسكرية.

وهذا ما عمّق شعوراً متزايداً لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن العدالة أصبحت رهينة للحسابات العسكرية، وأن معيار البراءة أو الإدانة لم يعد مرتبطاً بما ارتُكب من أفعال، بل بالموقع السياسي والعسكري الذي يقف فيه الشخص اليوم.

معضلة الدولة أم معضلة السلطة؟

تكشف هذه التطورات أيضاً أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها.

فالسلطات التي ترفع شعار “استعادة الدولة” تبدو في الوقت نفسه مضطرة للاعتماد على تحالفات عسكرية متناقضة، بعضها يضم شخصيات متهمة بارتكاب جرائم خطيرة.

وهذا التناقض يطرح سؤالاً مركزياً: هل المعركة الجارية هي فعلاً معركة من أجل بناء دولة قانون ومؤسسات، أم أنها مجرد صراع على السلطة وإعادة توزيع النفوذ؟

الكثير من المراقبين باتوا يميلون إلى التفسير الثاني، خصوصاً مع تصاعد المؤشرات التي تؤكد أن معايير العدالة والمحاسبة أصبحت خاضعة بالكامل لضرورات الحرب والتحالفات السياسية.

خاتمة: حرب تتبدل فيها المعايير

في نهاية المطاف، تبدو الانشقاقات الأخيرة داخل قوات الدعم السريع أكثر من مجرد تطورات عسكرية عابرة.

إنها تكشف أزمة عميقة داخل بنية الحرب السودانية نفسها، وتعرّي حجم التناقضات التي تحكم الخطاب السياسي والعسكري للطرفين.

فحين يتحول متهمون بجرائم حرب – بين ليلة وضحاها – من “أعداء للدولة” إلى “شركاء في استعادتها”، تصبح الحرب نفسها موضع تساؤل.

وحين تتبدل معايير الإدانة والبراءة وفقاً للموقع السياسي والعسكري، تتراجع العدالة إلى الخلف، ويتقدم منطق القوة والتحالفات.

وفي السودان اليوم، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو من انشق عن من، بل: كيف يمكن لوطن تمزقه الحرب أن يبني مستقبله فوق هذا الكم الهائل من التناقضات والدماء والعدالة المؤجلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!