تقارير وتحقيقات

الجنيه عند 6000.. الاقتصاد السوداني على حافة الهاوية انهيار العملة يكشف سقوط آخر خطوط الدفاع الاقتصادية

التنوير تقرير ايمان التجاني

 

التنوير تقرير ايمان التجاني 

في تطور وصفه خبراء ومراقبون بأنه الأخطر منذ اندلاع الحرب، واصل الجنيه السوداني رحلة الانهيار المتسارع أمام العملات الأجنبية مسجلاً، اليوم الثلاثاء، مستوى غير مسبوق بلغ نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد في السوق الموازية، في مؤشر يعكس حجم الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف بالبلاد وتكشف عن تآكل غير مسبوق في الثقة بالنظام المالي والنقدي.

ويأتي هذا التراجع الحاد في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث تتداخل آثار الحرب مع الانكماش الإنتاجي وتعطل مؤسسات الدولة وغياب السياسات الاقتصادية القادرة على احتواء الانهيار المتسارع في الأسواق.

من أزمة نقد إلى أزمة دولة

لم يعد انهيار الجنيه مجرد قضية تتعلق بسعر الصرف أو شح العملات الأجنبية، بل تحول إلى عنوان لأزمة دولة كاملة تتآكل فيها المؤسسات وتتراجع فيها قدرة السلطات على إدارة الملفات الاقتصادية الحيوية.

فمع كل انخفاض جديد في قيمة العملة الوطنية تتسع دائرة المعاناة اليومية للمواطنين، وتتراجع القدرة الشرائية للأسر بصورة دراماتيكية، بينما تتصاعد أسعار السلع الأساسية والغذاء والدواء بوتيرة تفوق قدرة غالبية المواطنين على الاحتمال.

ويرى مراقبون أن ما يحدث اليوم يمثل انعكاساً مباشراً لحالة الاختلال العميق التي يعيشها الاقتصاد السوداني، حيث فقدت الأسواق ثقتها في قدرة السلطات القائمة على وقف الانهيار أو تقديم حلول واقعية للأزمة المتفاقمة.

السوق الموازية تبتلع الاقتصاد

في ظل غياب التدفقات الطبيعية للنقد الأجنبي وتراجع الصادرات وانكماش الأنشطة الإنتاجية، أصبحت السوق الموازية اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد قيمة العملة الوطنية.

وباتت المضاربات الواسعة على العملات الأجنبية تمثل أحد أبرز العوامل التي تدفع الجنيه نحو مزيد من التدهور، وسط تنامي المخاوف من خروج كميات كبيرة من الكتلة النقدية من الدورة الاقتصادية الطبيعية وتحولها إلى عمليات اكتناز ومضاربة لا تضيف أي قيمة حقيقية للاقتصاد.

ويؤكد متعاملون في الأسواق أن حالة الذعر وفقدان الثقة دفعت المواطنين والتجار على حد سواء إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً لحفظ مدخراتهم، الأمر الذي زاد من الطلب على الدولار والذهب وساهم في تسريع وتيرة الانهيار.

الأسعار تشتعل والمواطن يدفع الثمن

الانعكاس الأخطر لانهيار العملة لا يظهر فقط في شاشات أسعار الصرف، وإنما يتجسد بصورة مباشرة في حياة المواطنين.

فكل تراجع جديد للجنيه يقود إلى ارتفاعات متلاحقة في أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج وتكاليف النقل والخدمات، ما يجعل المواطنين الحلقة الأضعف في معادلة الأزمة.

وباتت غالبية الأسر السودانية تواجه صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية، بينما تتآكل الدخول الحقيقية بصورة مستمرة نتيجة الارتفاع المتسارع للأسعار مقارنة بمستويات الأجور والدخول الثابتة.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى موجات جديدة من الفقر والعوز وانعدام الأمن الغذائي في العديد من المناطق.

جمال محمد آدم: الثقة انهارت قبل العملة

وفي حديثه لـ”التنوير”، قال الخبير الاقتصادي جمال محمد آدم إن وصول الدولار إلى مستوى 6000 جنيه يمثل تطوراً بالغ الخطورة ويعكس فقدان السوق الثقة في البيئة الاقتصادية بصورة شبه كاملة.

وأضاف أن ما يحدث اليوم لا يمكن تفسيره بعوامل السوق التقليدية فقط، بل يرتبط بشكل مباشر بغياب الاستقرار السياسي واستمرار الحرب وتراجع النشاط الإنتاجي وتآكل قدرة المؤسسات الاقتصادية على التدخل الفعال.

وأوضح أن الاقتصاد السوداني دخل مرحلة أصبحت فيها التوقعات السلبية هي العامل الحاكم للسوق، حيث يسارع الأفراد والتجار إلى التخلص من العملة الوطنية خوفاً من مزيد من التراجع، وهو ما يغذي دائرة الانهيار بصورة مستمرة.

وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب استعادة الاستقرار السياسي والأمني وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة وفتح الطريق أمام الإنتاج والاستثمار بدلاً من الاعتماد على المعالجات المؤقتة والقرارات قصيرة الأجل.

الحرب تلتهم ما تبقى من الاقتصاد

منذ اندلاع الحرب تعرض الاقتصاد السوداني لضربات متلاحقة شملت تدمير البنية التحتية وتعطل قطاعات الإنتاج والصناعة والزراعة والتجارة.

كما أدت الحرب إلى نزوح ملايين المواطنين وخروج آلاف المنشآت الاقتصادية من دائرة النشاط، الأمر الذي تسبب في انكماش حاد للقاعدة الإنتاجية وانخفاض كبير في الإيرادات العامة.

ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية أدى إلى استنزاف الموارد المحدودة وتوجيهها نحو الإنفاق المرتبط بالحرب بدلاً من الاستثمار في القطاعات المنتجة والخدمات الأساسية.

وأصبحت الأسواق تعمل في بيئة تتسم بعدم اليقين الكامل، وهو ما يجعل أي جهود لتحقيق الاستقرار الاقتصادي أكثر صعوبة وتعقيداً.

شبح المجاعة يقترب

يتزامن الانهيار النقدي الحالي مع تحذيرات دولية متزايدة بشأن تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان.

فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتعطل سلاسل الإمداد الإنسانية كلها عوامل تدفع نحو تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة غير مسبوقة.

ويرى خبراء أن استمرار تدهور العملة الوطنية بهذا المعدل قد يؤدي إلى توسيع رقعة الجوع وانعدام الأمن الغذائي، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً من الحرب والتي تعتمد بصورة كبيرة على المساعدات الإنسانية.

وتزداد المخاوف من أن يتحول الانهيار الاقتصادي إلى عامل إضافي يعمق الأزمة الإنسانية ويضاعف معاناة ملايين السودانيين خلال الأشهر المقبلة.

هل وصل الاقتصاد إلى نقطة اللاعودة؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو ما إذا كان الاقتصاد السوداني قد اقترب من نقطة اللاعودة.

فالعديد من المؤشرات الحالية تعكس حالة من التدهور المتسارع في مختلف القطاعات الاقتصادية، بدءاً من العملة الوطنية مروراً بالأسواق والإنتاج وانتهاءً بمستويات المعيشة.

ويجمع خبراء الاقتصاد على أن استمرار الحرب وتعطل جهود السلام وغياب الإصلاحات المؤسسية سيجعل كلفة الإنقاذ أكثر تعقيداً يوماً بعد يوم.

ومع وصول الدولار إلى عتبة 6000 جنيه للمرة الأولى في تاريخ السودان، تبدو البلاد أمام اختبار اقتصادي هو الأصعب منذ عقود، اختبار لن تحسمه القرارات المالية وحدها، بل سيظل مرتبطاً بقدرة السودانيين على إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار وبناء مؤسسات قادرة على إعادة الثقة للاقتصاد وإعادة الأمل لملايين المواطنين الذين يدفعون اليوم الثمن الأكبر لأزمة تجاوزت حدود المال لتصبح أزمة وطن بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!