رأي

أبداً ما هِنت يا سوداننا يوماً علينا

د.اخلاص قرنق

 

د. اخلاص قرنق

هناك أوطان نعيش فيها… وهناك أوطان تعيش داخلنا.

والسودان، رغم الجراح والحروب والانكسارات، ظل يسكن في وجدان أبنائه كأعظم حكاية حب لم تكتمل بعد.

كلما عصفت بنا المآسي، وكلما ضاقت الطرقات بالنازحين والمكلومين، يعود صوت الوطن من بعيد، محمولاً على أوتار الأغنيات القديمة، يعيد إلينا الإيمان بأن هذا البلد خُلق للحياة لا للموت، وللمحبة لا للكراهية.

استوقفتني تلك الملحمة الوطنية العظيمة التي تغنى بها عملاقا الفن السوداني، محمد وردي ومحمد الأمين، حين صدحا بصوت يشبه نبض الشعب:

“أصبح الصبحُ فلا السجنُ ولا السجّانُ باقِ

وإذا الفجرُ جناحانِ يرفّانِ علينا

وإذا الحزنُ الذي كحّل هاتيك المآقي

والذي شدَّ وثاقاً بوثاق

والذي بعثرنا في كل وادِ

فرحةٌ نابعةٌ من كل قلبٍ يا بلادي”

يا الله… كم تشبه هذه الكلمات السودان اليوم.

بلداً بعثرته الحروب في كل وادٍ، وفرقت أبناءه المنافي والمعسكرات والحدود، لكن رغم ذلك ما زالت الفرحة تسكن القلوب، وما زال الناس يحلمون بوطن جديد يولد من تحت الرماد.

وحين تسللت جماعات الإسلام السياسي إلى مفاصل الدولة، بدأت رحلة تشويه الروح السودانية.

زرعوا الكراهية مكان المحبة، والفرقة مكان الوحدة، والخوف مكان الأمان.

سرقوا الوطن باسم الدين، وباعوا أحلام البسطاء في أسواق السلطة.

حوّلوا السودان من وطن يسع الجميع إلى ساحة صراع، ومن بلد غني بالإنسان والقيم إلى وطن يئن من الحروب والفقر والدموع.

ثم تأتي الكلمات كأنها كُتبت خصيصاً لثورة ديسمبر المجيدة:

“التقى جيلُ البطولاتِ بجيلِ التضحيات

وارتقى كلُّ شهيدٍ قهرَ الظلمَ ومات

بشهيدٍ لم يزل يبذرُ في الأرضِ بذورَ الذكريات

أبداً ما هِنت يا سوداننا يوماً علينا”

نعم… لقد التقى جيل البطولات بجيل التضحيات فعلاً.

في شوارع الخرطوم وعطبرة ومدني والأبيض ونيالا وبورتسودان، خرج الشباب يهتفون للحرية، وهم يعلمون أن الرصاص ينتظرهم.

لكنهم آمنوا أن الوطن يستحق.

خرجوا لأنهم أرادوا سوداناً يشبه أحلام البسطاء، سودان العدالة والمساواة، سوداناً لا يُهان فيه الإنسان ولا يُقتل بسبب رأيه أو قبيلته أو لونه السياسي.

لكن بكل أسف، واجهتهم آلة القمع بوحشية.

سقط المئات من خيرة أبناء الوطن.

شباب كانوا وروداً تمشي على الأرض، يحملون دفاتر الجامعة وأحلام السفر والعمل والحياة، فتحولوا إلى صور معلقة على الجدران، وإلى أسماء تتردد في مواكب الحزن.

ثم جاءت الحرب في السودان 2023 لتكمل المأساة.

حرب سرقت البيوت، وشردت الأسر، وأحرقت ذاكرة المدن.

صرنا نودع أبناءنا على أصوات المدافع، ونحمل الوطن معنا في حقائب النزوح الثقيلة.

أي وجع هذا الذي أصاب السودان؟

وأي وطن هذا الذي كلما نهض من جرح، طعنوه في جرح آخر؟

ومع ذلك… لم ينكسر السودان.

لأن الوطن الحقيقي ليس القصور ولا الحكومات، بل الناس البسطاء الذين ما زالوا يتقاسمون كسرة الخبز في زمن المجاعة، ويواسون بعضهم وسط الدمار، ويغنون للحياة حتى وهم يبكون.

السودان الذي حاولوا تشويهه بالكراهية سيبقى أكبر منهم جميعاً.

سيبقى وطن الطيبة والكرم والنخوة والأغنيات الخالدة.

سيبقى وطن الشهداء الذين رحلوا وهم يحلمون بفجر جديد.

ولهؤلاء الشهداء نقول:

لم تذهب دماؤكم هدراً…

فكل قطرة دم كتبت سطراً في كتاب الحرية.

وسيأتي اليوم الذي يعود فيه السودان وطناً يشبه أحلامكم، ويغني فيه الأطفال في المدارس بلا خوف:

“أبداً ما هِنت يا سوداننا يوماً علينا”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!