
نجم الدين دريسة
يمر السودان اليوم بواحدة من أكثر لحظاته التاريخية تعقيداً وغموضاً، لحظة تختلط فيها الدماء بالخرائط، وتتقاطع فيها المشاريع الإقليمية مع هشاشة الداخل، وتتآكل فيها الدولة تحت وطأة حرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت إلى زلزال سياسي واجتماعي يهدد فكرة السودان نفسها. فالمشهد الراهن لم يعد قابلاً للقراءة وفق المعايير التقليدية للصراع، لأن البلاد دخلت فعلياً مرحلة السيولة الكاملة؛ سيولة السلطة، وسيولة التحالفات، وحتى سيولة الهوية الوطنية ذاتها.
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن انفجاراً مفاجئاً، بل كانت النتيجة الطبيعية لعقود طويلة من احتكار السلطة، وتوظيف المؤسسة العسكرية في الصراع السياسي، وإدارة البلاد بعقلية المركز القابض الذي بنى نفوذه على الإقصاء والتهميش وإعادة إنتاج الأزمات. ولذلك فإن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في معركة على السلطة فقط، بل هو انهيار شامل للبنية القديمة التي حكمت السودان منذ الاستقلال.
لكن الأخطر من الحرب نفسها، أن القوى السياسية والمدنية السودانية ما تزال، في كثير من الأحيان، تتعاطى مع السياسة بعقل تكتيكي قصير النظر، لا بعقل استراتيجي يؤسس لمستقبل الدولة. فبعض القيادات السياسية لا تزال أسيرة الحسابات الضيقة، والتحالفات المؤقتة، والرغبة في تسجيل النقاط السياسية، بينما البلاد تنزلق نحو تفكك اجتماعي غير مسبوق. لقد أصبحت السياسة في السودان، عند كثير من الفاعلين، مجرد إدارة للأزمات لا مشروعاً لبناء وطن.
وفي المقابل، يبدو الجيش السوداني اليوم أبعد ما يكون عن استقلالية القرار الوطني. فالمؤسسة التي كان يفترض أن تكون الحارس الأخير للدولة، تحولت بفعل الاختراقات الأيديولوجية والإقليمية إلى ساحة تتنازعها دوائر النفوذ الخارجية وقوى الردة في الداخل. وهذا ما جعل قرار الحرب والسلام نفسه مرتبطاً بحسابات إقليمية ودولية أكثر من ارتباطه بالمصلحة الوطنية السودانية.
إن المأساة الكبرى للحرب الحالية أنها عمّقت الانقسامات الاجتماعية بصورة مخيفة، وأعادت إنتاج خطاب الكراهية والجهوية والاصطفافات الإثنية بشكل غير مسبوق. لقد انهارت مساحات الثقة بين المجتمعات، وتآكلت الروابط الوطنية التي ظلت تحفظ الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي لعقود طويلة. وهذا أخطر بكثير من الدمار العسكري، لأن إعادة بناء المدن أسهل من إعادة بناء النفوس المحطمة والذاكرة المثقلة بالخوف والانتقام.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتحرك القوى الإقليمية وفق مصالحها المتقاطعة لا وفق عواطفها السياسية أو شعاراتها المعلنة. فكل دولة تنظر إلى السودان باعتباره ساحة نفوذ، أو ممراً استراتيجياً، أو مخزوناً اقتصادياً، أو عمقاً أمنياً لمشاريعها الكبرى. ولذلك فإن الرهان على الخارج بوصفه منقذاً أخلاقياً يبدو وهماً سياسياً خطيراً. فالدول لا تتحرك بالصداقات، بل بالمصالح، والمصالح في الإقليم اليوم شديدة التشابك والتناقض.
لهذا يبدو المشهد السوداني أقرب إلى لوحة سريالية مفتوحة على كل الاحتمالات. لا أحد يستطيع الجزم بمسار الأحداث، ولا توجد سيناريوهات مستقرة يمكن البناء عليها بثقة. فالتحالفات تتغير بسرعة، وموازين القوة تتبدل بصورة مستمرة، والفاعلون الإقليميون والدوليون يعيدون تموضعهم وفق تطورات الميدان ومصالح اللحظة. وحتى الخطابات السياسية نفسها أصبحت عاجزة عن مواكبة حجم التحولات المتسارعة.
ومع ذلك، فإن الحقيقة الوحيدة الواضحة وسط هذا الضباب الكثيف هي أن السودان لن ينجو إلا عبر مشروع وطني جديد يقوم على التوافق والتراضي التاريخي بين جميع مكوناته السياسية والاجتماعية والمدنية. فلا أحد قادر على إلغاء الآخر، ولا يمكن لأي طرف أن يحكم السودان منفرداً بعد كل هذا الخراب. إن البلاد تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مواطنة حقيقية، ويعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وبين المدني والعسكري، وبين السلطة والمجتمع.
إن المستقبل لن تصنعه البنادق وحدها، بل تصنعه الشجاعة السياسية القادرة على تقديم التنازلات الكبرى من أجل الوطن. فالأوطان لا تنهض بالثأر، ولا تبنى بالهيمنة، ولا تستقر بالانتصارات المؤقتة. السودان اليوم يقف على حافة هاوية تاريخية، والخروج منها لن يكون إلا عبر توافق وطني عميق يعترف بحقائق القوة والتحولات الاجتماعية الجديدة، ويضع الإنسان السوداني فوق حسابات الحرب والمحاور والمصالح الضيقة.
وإذا لم تدرك القوى السياسية والمدنية هذه الحقيقة سريعاً، فإن البلاد قد تدخل مرحلة من التشظي يصعب بعدها الحديث عن دولة موحدة أو مستقبل مستقر. لأن التاريخ لا يرحم الشعوب التي تفشل قياداتها في التقاط لحظات التحول الكبرى.




