الكرامة الإنسانية في زمن الحرب.. حين يصبح الإنسان وقوداً للصراع
عبد الرحمن ابو رندة ... بنسلفانيا

عبدالرحمن أبورندة
لا شيء أسوأ من الحروب سوى إهدار الكرامة الإنسانية وامتهان قيمة الإنسان. فالحروب، مهما كانت مبرراتها، تظل جريمة كبرى ضد الوجود الإنساني، إذ تحوّل البشر إلى أرقام، والموت إلى مشهد عابر، والدماء إلى تفاصيل يومية. وفي السودان، جاءت حرب الخامس عشر من أبريل لتجسد أبشع صور الانهيار الأخلاقي والإنساني، إذ ترافقت مع مشاهد غير مسبوقة من العنف والدمار، وارتكبت فيها انتهاكات تُدمي الضمير.
لقد كشفت هذه الحرب عن الوجه القبيح للجماعات المؤدلجة التي تقتات على معاناة الشعوب، وتستغل الدين لتبرير جرائمها. فحين ترتبط الحرب بجماعات الهوس الديني والإسلام السياسي، تكون البشاعة هي القاعدة لا الاستثناء. وما رأيناه من بقر للبطون، وذبح على الهوية، وتصفية جسدية، وقصف للمدنيين، وسنّ قوانين عنصرية كقانون “الوجوه الغريبة”، ما هو إلا نتاج طبيعي لعقيدة تشرعن الكراهية وتستهين بالإنسان.
الكرامة الإنسانية ليست شعارًا عاطفيًا، بل هي جوهر الوجود الإنساني، وهي القيمة التي تقوم عليها كل الشرائع والقوانين الدولية. وقد أكدت المواثيق العالمية، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى اتفاقيات جنيف، على أن لكل إنسان الحق في الحياة، والأمن، والحماية من العنف والإذلال. غير أن هذه النصوص تتحول إلى حبر على ورق حين تُنتهك في وضح النهار، ويُترك المدنيون فريسة للجوع، والخوف، والقتل الممنهج.
لقد أصبحت مأساة السودان نموذجًا مريرًا لتقاعس المجتمع الدولي، إذ تُرتكب الجرائم بينما يكتفي العالم بالبيانات. القرى تُقصف، والمستشفيات تُدمّر، والأسواق تُحرق، والنساء يُغتصبن، والأطفال يُشرّدون، وكل ذلك تحت سمع وبصر العالم الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان. أين العدالة إذًا حين يتحول المجرمون إلى قادة، والضحايا إلى أرقام في تقارير النسيان؟
لكن وسط هذا الركام، تظل هناك بارقة أمل. فالشعوب لا تموت، والإرادة لا تُكسر، والضمير الإنساني مهما خمد لا ينطفئ. إن الواجب الأخلاقي والإنساني يفرض على النشطاء، ومنظمات المجتمع المدني، وكل من بقي في داخله ذرة ضمير، أن يتحدوا لحماية ما تبقى من إنسانية هذا الوطن. فالمعركة الحقيقية ليست بين جيوش، بل بين قيم: قيم الحرية والعدالة من جهة، وقيم القهر والاستبداد من جهة أخرى.
وختامًا، ستنتهي الحرب، كما انتهت كل الحروب من قبل، لكن ما سيبقى هو السؤال: هل تعلمنا شيئًا من هذا الدمار؟ أم أننا سنظل ندور في حلقة من الدم والخذلان؟ إن إكرام الإنسان وصون كرامته ليس مطلبًا سياسيًا، بل هو مبدأ وجودي، لا تستقيم الحياة بدونه.




