السعودية والسودان وإيران: تناقض التحالفات أم حسابات الإقليم العميقة؟
لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبه

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبه
حين تتزاحم المصالح، تبدو الدبلوماسية متناقضة لكنها تكشف هندسة النفوذ الخفية
لم يعد الموقف السعودي من الأزمة السودانية مجرد تفصيل دبلوماسي عابر، ولا يمكن قراءته فقط بوصفه امتداداً طبيعياً لحرص الرياض على استقرار السودان. فالتطورات الأخيرة كشفت عن مفارقة إقليمية لافتة: المملكة تقف خليجياً في موقع متشدد ضد إيران، لكنها في الملف السوداني تبدو أقرب إلى حكومة البرهان، وهي سلطة ظلت، وفق كثير من القراءات، على صلات سياسية وعسكرية بمحاور قريبة من طهران. هذا التناقض الظاهري يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل نحن أمام ارتباك دبلوماسي، أم أمام مناورة استراتيجية تحكمها المصالح لا الشعارات؟
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، مرّ الموقف السعودي بمراحل متدرجة. في البداية، ظهرت الرياض وسيطاً حذراً، فاستضافت محادثات جدة إلى جانب الولايات المتحدة، وسعت إلى احتواء النزاع عبر مسار تفاوضي يحافظ على صورتها كراعٍ للاستقرار. وقد عززت المملكة حضورها الإنساني عبر عمليات إجلاء الرعايا الأجانب، في مشهد منحها إشادة دولية واسعة، وأظهر في الوقت ذاته قدرة قوات الدعم السريع على التعامل المنضبط مع الممتلكات والمقار الدبلوماسية خلال تلك المرحلة.
لكن الوساطة، بمرور الوقت، لم تنتج اختراقاً حاسماً. ومع انتقال الأزمة من مربع الحرب الداخلية إلى ساحة تنافس إقليمي، بدأ الموقف السعودي يتحرك من الحياد إلى الانحياز المحسوب. فقد مثل دعم الجيش السوداني، وظهور مؤشرات تتعلق بصفقات تسليح كبيرة من باكستان، نقطة تحول مهمة في قراءة اتجاهات الرياض. ثم جاءت البيانات السياسية التي حمّلت قوات الدعم السريع مسؤولية زعزعة الاستقرار، متجاهلة مسؤولية الجيش في إشعال الحرب واستمرارها، لتؤكد أن الحياد السعودي بدأ يتآكل تدريجياً.
ومن أوائل 2026 بدا التحول أكثر وضوحاً، خصوصاً مع استقبال البرهان وظهوره إلى جانب ولي العهد السعودي، بما حمله ذلك من رسائل سياسية تتجاوز البروتوكول. كما أن التسريبات التي تحدثت عن دعم انشقاقات داخل قوات الدعم السريع، ومحاولات قطع الإمداد عنها، تكشف أن الرياض لم تعد تكتفي بدور الوسيط، بل باتت تتحرك كطرف مؤثر في ميزان القوة السوداني.
استراتيجياً، يمكن فهم الموقف السعودي من ثلاثة مستويات مترابطة. المستوى الأول محلي سوداني، حيث ترى المملكة أن دعم الدولة المركزية، أو ما تبقى منها، يمثل مدخلاً لحماية مصالحها في البحر الأحمر، والذهب، والثروة الحيوانية، والصمغ العربي، والمخزون الاقتصادي الهائل الذي يملكه السودان. غير أن هذه القراءة تختزل السودان في مؤسسات قديمة مهترئة، وتتجاهل أن الجيش نفسه لم يعد مؤسسة قومية جامعة، بل طرفاً في حرب وانتهاكات وصراع سلطة.
أما المستوى الثاني فهو إقليمي، ويتصل بأمن البحر الأحمر ومشروع نيوم وموازين القوة في الخليج. فالسعودية تنظر إلى استقرار الساحل الغربي للبحر الأحمر باعتباره ضرورة أمنية مباشرة، لا ملفاً خارجياً بعيداً. ومن هذه الزاوية، يصبح السودان عمقاً أمنياً للمملكة، وساحة يجب ألا تترك لخصومها أو منافسيها، سواء كانوا إيران أو الإمارات أو قوى إقليمية أخرى. وهنا يظهر البعد غير المعلن للموقف: مواجهة النفوذ الإماراتي في السودان عبر بناء محور مقابل يضم الرياض والقاهرة وأنقرة، ويهدف إلى إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي في الخرطوم ودارفور والبحر الأحمر.
أما المستوى الثالث فهو دولي، إذ تريد المملكة أن تقدم نفسها بوصفها راعية سلام قادرة على إدارة الملفات المعقدة، لكنها في الوقت ذاته تستخدم الضغط السياسي والعسكري لدفع العملية السياسية في الاتجاه الذي يخدم تصورها لمستقبل السودان. وهنا تكمن المفارقة: لا يمكن للوسيط أن يكون وسيطاً كاملاً إذا أصبح حليفاً لطرف، ولا يمكن للرباعية أن تنجح إذا خرجت دولتان مؤثرتان عن الحياد.
إن جوهر التناقض السعودي لا يكمن في العداء لإيران والتحالف مع حليف محتمل لها داخل السودان فحسب، بل في محاولة الرياض اللعب على التناقضات الإقليمية والدولية لتحقيق مكاسب أمنية واقتصادية. فالبرهان يدرك حساسية الموقف، ويحاول تقديم نفسه كحليف ضد الفوضى، بينما يستخدم علاقاته القديمة مع المحاور الإيرانية كورقة توازن وخداع استراتيجي. وفي المقابل، فإن قوات الدعم السريع تمثل، عملياً وسياسياً، أحد أكثر الأطراف السودانية وضوحاً في موقفها المناهض للوجود الإيراني والتمدد المرتبط به في البحر الأحمر، وهو موقف لم يتشكل تحت ضغط الحرب الحالية، بل تأسس منذ مشاركتها المباشرة ضمن عمليات “عاصفة الحزم” إلى جانب التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. فقد لعبت قوات الدعم السريع دوراً محورياً في حماية الأمن الإقليمي والخليجي خلال تلك المرحلة، وقدمت نفسها كجزء من معادلة مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، وهو ما يجعل موقفها الراهن امتداداً طبيعياً لرؤية ثابتة وليس مجرد تكتيك سياسي عابر فرضته ظروف الحرب السودانية. كما أن استمرار هذا الخط السياسي والعسكري حتى اليوم يعكس طبيعة التموضع الاستراتيجي للدعم السريع داخل معادلات أمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية.
الخلاصة أن السودان تحول إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح، لا بسبب موقعه وحده، بل بسبب موارده وموانئه وثرواته وقدرته على التأثير في أمن البحر الأحمر. ولذلك فإن مصلحة السعودية الحقيقية لا تكمن في الانتقال من الوساطة إلى التحالف مع الجيش، بل في الدفع نحو تسوية عادلة توقف الحرب، وتمنع الارتهان لإيران، وتراعي التوازن الإنساني والسياسي، وتفتح مساراً تفاوضياً لا يستثني القوى الفاعلة على الأرض.
إن ضمان مصالح المملكة لا يتحقق عبر إضعاف طرف لصالح آخر، بل عبر بناء سلام سوداني مستقر يمنع تحول البلاد إلى منصة للنفوذ الإيراني أو التنافس الخليجي أو الصراع الدولي. فالسودان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، بل إلى تسوية شجاعة تعترف بحقائق القوة، وتغادر أوهام المركز القديم، وتضع الإنسان السوداني قبل حسابات المحاور.




