
د.ناهد محمد الحسن
قرأت تعليقك بعناية واحترام، لا فقط لما يحمله من جهد معرفي كثيف، بل لأنه يصدر من موقع اشتباك حقيقي مع سؤال الدولة، لا من موقع السجال أو المزايدة. وأقدّر صراحتك في تسمية موضع اختلافك معي بوصفه اختلافًا منهجيًا وسياسيًا، لا أخلاقيًا، وهذا في حد ذاته قيمة نادرة في هذا الزمن.
دعني أوضح موقفي بدقة، لأن جزءًا من هذا الاختلاف في تقديري ينشأ من افتراض وظيفة لم أضعها لنصي أصلًا.
أنا لا أكتب من موقع الحياد، ولا من موقع التردّد في الحسم التاريخي، لكنني أكتب من موقع مختلف عن موقع المشروع السياسي المباشر. النص الذي كتبته لا يقترح نفسه بديلًا عن أي مشروع قائم، ولا ينافسه، ولا يدّعي تمثيل الهامش أو الحديث باسمه. وظيفته ليست التأسيس السياسي، بل تفكيك البنية الذهنية والأخلاقية التي ما زالت تُعيد إنتاج الدولة القديمة، أحيانًا حتى داخل خطاب معارضتها.
حين أطرح الأسئلة، لا أفعل ذلك لأن الإجابات غير موجودة، بل لأن هذه الإجابات—رغم حضورها في مشاريع تحررية حقيقية—لم تتحوّل بعدُ إلى وعي وطني مشترك، بل ما تزال تُقابَل، خاصة في المركز، بآليات إنكار أو خوف أو إسقاط أخلاقي. والسؤال هنا ليس معرفيًا بقدر ما هو نفسي–سياسي: لماذا يعرف الناس الحقيقة، ثم يعجزون عن الانحياز العملي لها؟
التحليل، في هذا السياق، ليس تعطيلًا للفعل ولا تأجيلًا للحسم، بل اشتغال على شروط إمكانه داخل وعيٍ جماعي مأزوم، ومجتمع جُرِّد طويلًا من السياسة وحُشر في ثنائيات العنف أو الصمت. أنا لا أؤجل القطيعة مع الدولة القديمة، بل أشتغل على تفكيك المقاومة العميقة لها داخل البنية الاجتماعية والثقافية، بما في ذلك داخل النخب التي تعلن معارضتها لها.
أما تحذيري من الاختزال الأخلاقي، فلا يعني بأي حال المساواة بين أشكال العنف، ولا تعليق الحكم على الجرائم، ولا تسوية بين الجلاد والضحية. ما أحذّر منه هو أن يتحول الوضوح الأخلاقي، حين يُفصل عن السياسة، إلى تثبيت جديد لمنطق القوة نفسه الذي نريد تفكيكه. فالضحية حين تُنزَع عنها القيود الأخلاقية باسم التاريخ أو الغضب، لا تتحرر، بل تُعاد إدخالها في منطق الدولة العنيفة ذاتها، منطق الغلبة لا العدالة.
موقفي هنا واضح وغير قابل للالتباس:
لا يمكن لأي مشروع تحرري أن يُبنى على استباحة المدنيين، ولا يمكن تحويل المظلومية التاريخية إلى تفويض مفتوح للعنف. تفكيك شروط العنف لا يعني شرعنته، كما أن فهمه لا يلغي إدانته. السياسة، في تقديري، تبدأ حين نُدين بوضوح، ونفهم بعمق، ونعمل على نزع السلاح من كونه أفقًا للحكم، لا فقط أداة قتال.
مشروع إعادة تأسيس الدولة—أيًّا كان موقعه أو تسميته—لن ينجح إن اكتفى بالحسم العسكري أو الخطاب الجذري، كما لن ينجح إن بقي حبيس التحليل النخبوي. النجاح الحقيقي يمر عبر إعادة السياسة إلى المجتمع، وإعادة تعريف القوة بوصفها قدرة على التنظيم، والحماية، والعدالة، لا مجرد امتلاك للسلاح.
العقد الاجتماعي الذي أكتب عنه ليس وثيقة نوايا، ولا توافقًا أخلاقيًا مريحًا، ولا بديلًا عن الصراع. هو محاولة لفتح سؤال القوة على مستوى أعمق: كيف نجعل السلاح عبئًا في المخيال الاجتماعي قبل أن يكون عبئًا قانونيًا؟ كيف نكسر الإغراء الرمزي للعنف، لا فقط مظاهره؟
الهامش، كما قلتَ بحق، لم يعد موضوعًا للتحليل بل فاعلًا تاريخيًا. لكن هذا لا يعفي بقية المجتمع—ولا النخب المدنية—من مساءلة نفسها، لأن إعادة تأسيس الدولة لن تتم فقط بانتصار مشروع، بل بانهيار شرعية المنطق القديم في العقول قبل المؤسسات.
باختصار:
هناك من يخوض صراع التأسيس على الأرض،
وهناك من يحاول تفكيك البنية التي تُقاوم هذا التأسيس حتى وهي تعلن تأييده.
قد نلتقي في الغاية ونختلف في الأداة، لكن هذا الاختلافإذا أُدير بلا تخوين ولا عسكرةقد يكون جزءًا من المخاض الضروري لأي لحظة تأسيسية حقيقية.
مع التقدير،
ناهـد




