رأي

حرب الكرامة 2

امجد السنوسي

 

امجد السنوسي يكتب 

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع في عام 2026، وبكل ما تحمله إرهاصات الواقع السياسي والعسكري من وضوح ، تشير المعطيات بجلاء إلى أن التيار الإسلامي قد فقد بوصلته السياسية والأخلاقية، وهو يواجه اليوم استعصاءً تاريخياً يضعه أمام مشهد النهاية لمشروعه الذي هيمن على البلاد لعقود ، وفي ظل هذا الانسداد، يبدو واضحاً أن ثمة خطاً استراتيجياً جديداً يُدار خلف الكواليس يهدف إلى إعادة تدوير هذا التيار وتذويب كتائبه العقائدية داخل القوات المشتركة ، في محاولة لاستغلال هذه الحركات كرافعة جديدة لمشروعهم التخريبي، وهي فرضية محكوم عليها بالفشل الحتمي لكونها تتصادم مع التاريخ وصيرورة الصراع ، فالسبب الأساسي والمبدئي لظهور حركات الكفاح المسلح في دارفور منذ عام 2003 كان في الأصل انتفاضة ضد الظلم والتهميش الذي مارسته جماعة الإرهاب السياسي والجهوي ضد شعوب الهامش السوداني على جميع المستويات، حيث تسببت سياساتهم الى تمزيق وحدة البلاد، وممارسة الإبادات الجماعية، وتدمير البنى التحتية والمشاريع الزراعية، وهو ما يجعل هذا التشبيك العسكري والسياسي هجيناً ومستبعد الاستمرار، مهما فرضته تقلبات الراهن البراغماتية وضغوط اللحظة العسكرية .

​إن المأزق الراهن يعود في جزء كبير منه إلى محطة اتفاق جوبا للسلام عام 2020، والذي تحول بمرور الوقت من وثيقة لمعالجة جذور الأزمة إلى مظلة للمحاصصات السلطوية، مما دفع بقادة هذه الحركات إلى اتخاذ مواقف براغماتية قادتهم في نهاية المطاف للاصطفاف مع النخبة العسكرية والسياسية في المركز لحماية امتيازاتهم الدستورية، متناسين قضايا قواعدهم في الهامش، وهو التحالف الهش الذي يسير اليوم نحو حافة الهاوية ، إذ إن استشعار الحركات المسلحة لمحاولات الابتلاع والتذويب من قبل الكتائب الإسلامية، قد يدفع الأوضاع نحو انسداد يقود فيه الكيزان البلاد إلى حافة حرب الكل ضد الكل، وهو الوضع المأزوم الذي يسعى من خلاله قائد الجيش البرهان، للانفراد بمواقفه تجاه أي حل سلمي أو تفاوضي في المستقبل القريب والتخلص من شعارات الحسم العسكري المطلق (بل بس) التي يرفعها رفقاء الأمس، غير أن هذه المناورة العسكرية قد تورد قيادة الجيش موارد الهلاك وتفجر الأوضاع من الداخل، مما يجعل تمرد حركتي العدل والمساواة وجيش تحرير السودان (جناح مناوي) وفك ارتباطهما بالمركز خياراً حتمياً وخطوة تصحيحية لإعادة الأمور إلى نصابها وبداية لإعلان نهاية صلاحية هذا التحالف المصطنع.

​وتتأكد حتمية هذا الصدام عند قراءة العقيدة السياسية للتنظيم الإسلامي منذ انقلابهم على السلطة في 30 يونيو 1989، حيث تعمدت سلطة الإنقاذ الى إغراق الهامش السوداني في أتون حروب وفتن أهلية بهدف إلهاء هذه المجتمعات عن فرص المشاركة السياسية الفاعلة في خط صنع القرار بالمركز، وحرمانها من استغلال كثافتها السكانية ومواردها الطبيعية في مشروع منظم يطالب بحكم السودان أو يؤسس لدولة قانون وعدالة حقيقية، وقد نجح المركز عبر برنامج محكم ومدروس في تفكيك وحدة الهامش وتدمير نسيجه المجتمعي المتماسك منذ مئات السنين حتى غدا الراعي عدواً للمزارع، ولعقود طويلة انشغل الهامش بهذه السردية المصنوعة وتقاتلت مكوناته لعشرات السنين، مما نتج عنه تدمير الأمن المجتمعي، وتحول التعليم في إقليمي دارفور وجبال النوبة إلى مغامرة نادرة ارتفعت معها معدلات الأمية بشكل مرعب، لتضيع فرص المطالبة الجماعية بالثروة والسلطة، ويتحول طموح المثقفين هناك إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المركز وحجز مقعد في السلطة عبر نفس التنظيم الجهوي الإجرامي.

​إن التحليل الموضوعي لمجريات الأحداث يفضي إلى أن الحركات المسلحة، وقوات الدعم السريع، وحرس الحدود، والجيش الشعبي في الشمال، يمثلون جميعهم في نهاية المطاف ضحايا لاستراتيجية فرق تسد التي خطط لها الكيزان بذكاء خبيث غاب عن إدراك هذه المكونات لفترات طويلة، وإن أي مواجهة عسكرية قادمة بين هذه الحركات وقيادة الجيش ستضع البرهان أمام خيار وحيد وهو الارتماء الكامل في أحضان الكتائب الإسلامية بمختلف ألوانها لمساعدته في احتواء ما يمكن تسميته بـ حرب الكرامة 2، وهو السيناريو الذي سيتكفل بتعرية الإسلاميين ومؤسستهم العسكرية تماماً أمام الشعب السوداني والمجتمع الدولي الذي يرفض قاطعاً إعادة شرعنة وجودهم، ووقتها لن تجد شعارات الحرب صدى على أرض الواقع، ببساطة لأن القيادة العسكرية الحالية وحلفاءها العقائديين سيفقدون الغطاء السياسي و المالي والبشري اللازم للحسم، مما سيقودهم قسراً نحو خيارات تفتيتية يائسة قد تلوح في أفقها سيناريوهات التقسيم والتجزئة على غرار ما حدث في انفصال جنوب السودان عام 2011، لكن هذا المسعى التفتيتي سيبوء بالفشل أيضاً أمام وعي الشارع و الجماهير ، وعندها فقط يمكن التفائل ب التأسيس لإنهاء الحرب لصالح الشعب السوداني والتحرير الكامل والشامل من وكلاء دولة ما بعد الاستعمار، وبناء وطن ديمقراطي حقيقي على أنقاض الدولة القديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!