رأي

تباين الإرادات السياسية بين “مراوغة” صمود للإلتفاف و”عزيمة” تأسيس للإجتثاث

مهدي عبدالله حامد 

 

مهدي عبدالله حامد 

يُقال، من داوى جرحه على فساده دون تطهيره، ما لبث أن عاود السقم بدنه” وقيل، إنَّ تجفيف الينبوع أولى بالرعاية من ملاحقة مجاري المياه الملوثة، إذ إنَّ معالجة أعراض الأزمات دون النفوذ إلى مسبباتها الهيكلية يعد ضربا من العبث الحركي، ومن نافلة القول، أن المنعطفات الكبرى التي تمر بها الشعوب لا تقبل الحلول الرمادية التي تكتفي بملامسة القشور دون الدخول إلى لب الصراع وعمقه، ومما لا شك فيه أن الأزمة السُّودانية الراهنة تمثل التجسيد الحي لصدام الإرادات بين منطقين لا يلتقيان، منطق مراوغ يرى في التسوية الفوقية مخرجا مريحا، ومنطق آخر يرى في التفكيك الجذري شرطا لازما للوجود.

 

وهنا تجدر الإشارة إلى أن رصد التحولات الجارية يكشف عن هوة سحيقة تفصل بين مشروعين سياسيين متناقضين في الغايات والوسائل، ولئن كان “تحالف صمود” يطرح رؤية تتجه نحو السلام الجزئي المرحلي صيانةً للامتيازات وترحيل للأزمات، فإن “تحالف تأسيس” يمضي في الاتجاه المعاكس تماما راميا إلى اجتثاث الجذور التاريخية التي انتجت الحروبات وصنعت الهيمنة المركزية الإقصائية عبر العقود الماضية، وكما إن المقاربة العلمية الرصينة تقتضي منا تشريح هذه المواقف بصرامة فكرية تتجاوز الدعاية السياسية، رغبة في استجلاء الحقائق ومكاشفة الرأي العام بمالات كل طرف، فالتاريخ لا يذكر الواقفين في منتصف الطريق، وهنا الحكمة تقول “من لم يبتلع الداء لم يجد الدواء” وبناء عليه، يصبح البحث في مرتكزات الخلاص وتفنيد وسائل الالتفاف واجبا وطنيا وضرورة معرفية لا تحتمل التأجيل

 

*تهافت صمود لحلول التجزئة وترحيل الأزمات الحرجة*

 

حقا، يتجلى تحالف صمود كوجه ناعم للسُّودان القديم، لأنه يحاول أن يعيد إنتاج ذات الصيغ المجربة التي أفضت بالبلاد إلى أتون الدماء والخراب الشامل، وبما أن هذا التحالف يسعى لتصميم رؤية مبنية على تسويات تجزئة فوقية لتقاسم السلطة والثروة، وبذلك فإنهُ يعبر بدقة عن رغبة النخبة الصفوية في الحفاظ على امتيازاتها التاريخية المعزولة عن تطلعات الهامش، وما لبث أن تكشف هذا المسعى عن محاولة صريحة لتدوير الأزمة وتعطيل قاطرة التغيير الجذري والبنيوي الذي ينشده المكتوون بنيران التهميش والحروبات، فلا ريب في أن صمود يتفادى عن عمد الحديث عن تفكيك مفاصل الدولة العميقة، متغاضيا عن تفكيك المؤسسات الصدئة وعلى رأسها “جيش النظام البائد” الذي تم تسييسه وعقيدته المشوهة، يضاف إلى ما سبق، إعراض صمود التام عن تفكيك آليات الهيمنة الاقتصادية والثقافية التي حصرت القرار والموارد في يد فئة قليلة، صدقا، يبدو هذا النهج كما لو أن صاحبه يحاول إطفاء الحريق بسكب المزيد من الزيت عليه، إذ إن تجريب المجرب إفساد للمجرب وتضييع للوقت والجهد، فلعل قادة هذا المسار يدركون أن معالجة العرض وترك المرض الأصيل هو قمة العجز السياسي، بيد أن المصالح الطبقية والصفوية تحجب الرؤية وتدفع نحو تبني حيلة المراوغة والمناورة التكتيكية كبديل للحلول الحقيقية الشاملة.

 

*مراوغة نخبة صمود لتعطيل منجزات التأسيس*

 

يتسم تحالف صمود النخبوي بـ “المراوغة” والهروب إلي الأمام، وقد اتضح ذلك جليا حول رغبته لتكرار تجربته السابقة بغلاف جديد هذه المرة، وذلك بالنظر إلي ما أطلق عليه “قوى إعلان المبادئ السوداني” والذي بالتأكيد سوف يتجه إلي تصميم تسويات فوقية بإسم السلام وتحديد الأطراف بإنتقائية مثلما كان يحدث ذلك الحطل في تجربة الحرية والتغيير إبان رئاسة حمدوك لمجلس الوزراء، حيث كانت الشلليات الصفوية والانتهازية هي من سيطرت على المشهد برمته، وعلى الرغم من ذلك العبث، فلم تتوقف صمود عند ذلك الحد، فها هي تريد في هذه المرحلة ممارسة الخدعة والمناورة أمام هذه الإرادات السياسية الصلبة، محاولةً الالتفاف على الإنجازات التي تحققت على الأرض.

 

فلعل أدوات الالتفاف والحيلة التي يتوسل بها هذا التيار النخبوي باتت مكشوفة أمام الوعي المتنامي للجماهير والتنظيمات التأسيسية المدنية والثورية التي تقاتل الآن بضراوة لخلق معادلات جديدة وقد نجحت في إحداث تغييرات جوهرية في بنية الدولة السودانية، الأمر الذي يحرج المقامرات التي يسوق لها اليوم إعلام صمود من شعارات براقة تخفي وراءها رغبة دفينة في العودة بالبلاد إلى مربع المحاصصات القديمة الهادفة إلي تعطيل قطار التأسيس، بيد أن الإرادة الوطنية لإعادة التأسيس قد قطعت بالفعل أشواطا متقدمة وثابتة تجاه ترسيخ دعائم السودان الجديد، سواء عبر الوثائق السياسية والدستورية المتطورة، أو من خلال تشكيل هياكل السلطات البديلة على بخطى ثابتة وواثقة، وقد تجسدت هذه المنجزات في تأسيس مجلس الأقاليم والولايات الانتقالية تحت مسمى الإدارة المدنية التي نقلت السلطة فعليا إلى المجتمعات المحلية، فضلا عن المجلس العدلي والسلطة القضائية وبنك السودان المركزي والمراجع العام والإدارات العامة للشرطة والضرائب .. الخ ، علاوة على ذلك، يجرى العمل الآن على قدم وساق لاستكمال الجهاز التنفيذي المتمثل في “حكومة السلام الانتقالية” وبقية الهياكل والمؤسسات التشريعية والخدمة المدنية وهلمجرا، فالتالي، تصبح محاولات الصفوة للالتفاف والمناورة مجرد قفزات في الهواء، لأن الواقع الجديد يتخلق في غرف التأسيس الشعبية، ريثما تكتمل اللوحة وتتساقط أوراق الخريف عن كل من يحاول بيع الأوهام للشعب السوداني.

 

 

*دوران عجلة التحرر وفجر التأسيس يمضيان على قدم وساق*

 

يضاف إلي ما سبق، ينهض تحالف تأسيس بمشروع يهدف إلى استئصال شأفة الأزمة من جذورها العميقة، مانعا إنتاج الحروب عبر خطة واضحة المعالم وصريحة الغايات، حيث إن هذا التأسيس المنشود يقوم في أصله وجوهره على تفكيك جيش نظام الحركة الإسلامية الإرهابية بالكامل، لصالح بناء “الجيش الوطني الجديد” الذي يعكس التنوع السوداني الفريد ويلتزم بالمهنية والحياد، بالإضافة إلى أن المرتكز الثاني يقوم على إعادة تعريف الدولة على أسس العلمانية والفدرالية الحقيقية، في ضوء الدستور المعمول به الآن والذي يحمي الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الثقافة، ونظير ذلك، يعمل التحالف على إنهاء احتكار الموارد والقرار السياسي، مما يؤدي بالضرورة إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي على القواعد الصحيحة التي طال انتظارها، إذ يسعى مشروع التأسيس لإنهاء ظاهرة الاستعلاء الثقافي والهيمنة المالية، لتصبح المواطنة هي المعيار الوحيد والجامع لكل أهل السودان، ومن هنا يظهر التباين الصارخ بين من يريد ترميم المبنى المتهاوي ومن يريد حفر القواعد لبناء صرح جديد متين، تنفيذا للمثل القائل “لا يصلح العطار ما أفسده الدهر” فالهدم البناء هو السبيل الأوحد لبداية النهوض الحقيقي.

 

*عزيمة الإجتثاث وإرادة تقديم البديل للخلاص*

 

يتضح بجلاء وبصيرة نافذة أن أنصاف الحلول لم تعد مجدية، وأن الرهان على إعادة تدوير السودان القديم بوجوه ناعمة وتسميات جديدة هو رهان خاسر سيفككه الوعي الشعبي المتجذر إبّان هذه المرحلة المصيرية من عمر البلاد، وبمثل ما أن المرض العضال لا يبرأ بالمسكنات الموضعية، فإن أزمة الدولة السودانية المتراكمة منذ فجر الاستقلال لا يمكن علاجها بتسويات فوقية وتقاسم شكلي للثروة والسلطة بين نخب مركزية أدمنت الفشل واستمرأت الحيلة والالتفاف، إن عزيمة قطار التأسيس الوطني قد انطلق بالفعل على سكك الفدرالية، العلمانية، لتخليص الوطن والشعوب السودانية عبر إجتثاث الآحادية المركزية وتفكيك المؤسسة العسكرية المسيسة والمؤدلجة لصالح الإسلامويين، ويأتي هذا في ظل عزيمة راسخة لبناء الجيش الوطني الجديد، مسنودا بشرعية الهياكل القائمة والإدارات المدنية الفاعلة في الأقاليم، فلا غرو أن النصر في هذه المعركة السياسية والفكرية سيكون حليف الإرادة التي تنظر نحو المستقبل وتعمل على اجتثاث الأسباب الموضوعية للحروب والنزاعات، وبناءً على ذلك، يجب على القوى الحية الالتفاف حول مشروعات التأسيس الحقيقية، فالكتاب يُقرأ من عنوانه، وعنوان السودان القادم يكتبه المخلصون في الميدان لا الصفوة في الفنادق، مما يضع الجميع أمام مسؤوليتهم التاريخية دون مواربة أو تجميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!