رأي

حين تُفتح أبواب الوعي… تولد قوة التمكين

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في مسيرة المجتمعات نحو العدالة والتنمية، لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية دون الوقوف عند قضية توعية المرأة وتمكينها، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا وإنسانية. فالتغيير لا يبدأ بالقرارات وحدها، ولا تصنعه الشعارات العابرة، بل يبدأ حين تمتلك المرأة المعرفة التي تمنحها القدرة على الفهم والاختيار والمشاركة الفاعلة في صناعة الحياة العامة.

إن توعية المرأة ليست مجرد عملية تعليمية أو ثقافية، بل مشروع إنساني عميق يهدف إلى تحرير الطاقات الكامنة داخل نصف المجتمع، وإعادة الاعتبار لدور المرأة كشريك كامل في التنمية والتقدم. وعندما تصل المرأة إلى مرحلة الوعي بحقوقها وقدراتها ومسؤولياتها، يصبح تمكينها نتيجة طبيعية لهذا الوعي، وثمرة ناضجة لمسار طويل من التثقيف والمشاركة المجتمعية.

وفي السودان، لم تكن تجربة توعية المرأة مجرد أفكار نظرية تُطرح في الندوات، بل تحولت إلى مبادرات عملية تركت أثرًا واضحًا في المجتمع، خاصة في المناطق الريفية التي ظلت لسنوات بعيدة عن الخدمات التعليمية والتوعوية. ومن أبرز النماذج المضيئة في هذا السياق تجربة جامعة الأحفاد للبنات، التي لعبت دورًا تاريخيًا في دعم قضايا المرأة والتعليم والتنمية المجتمعية.

فقد عُرفت الجامعة عبر عقود بتنظيم رحلات الإرشاد الريفي السنوية إلى مختلف مناطق الريف السوداني، حيث كانت الطالبات يشاركن في حملات توعية شاملة تستهدف النساء والأسر في القرى والمناطق الطرفية. وقد تناولت تلك البرامج قضايا الصحة العامة، وتعليم الفتيات، ورعاية الأمومة والطفولة، والتغذية، ومحو الأمية، إضافة إلى تعزيز الوعي الاجتماعي بحقوق المرأة ودورها في المجتمع.

ولم تكن هذه الرحلات مجرد نشاط جامعي عابر، بل تجربة إنسانية وتنموية متكاملة، أسهمت في بناء جسور من الثقة والمعرفة بين المؤسسة التعليمية والمجتمع المحلي. كما منحت الطالبات أنفسهن فرصة للاحتكاك المباشر بقضايا النساء في الريف السوداني، وفهم التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تواجههن.

لقد أثبتت تجربة الإرشاد الريفي أن التوعية قادرة على إحداث تغيير هادئ لكنه عميق الأثر. فالمرأة التي تصلها المعرفة تصبح أكثر قدرة على حماية صحتها، وتعليم أطفالها، والمشاركة في اتخاذ القرار داخل الأسرة والمجتمع. ومن هنا، فإن تمكين المرأة لا يبدأ من المكاتب المغلقة أو المؤتمرات وحدها، بل يبدأ من الوصول إلى النساء في أماكنهن، والاستماع إلى احتياجاتهن، وإشراكهن في صناعة الحلول.

واليوم، وفي ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها السودان، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لإحياء مثل هذه المبادرات المجتمعية، وتوسيع نطاقها، باعتبار أن بناء السلام والتنمية والاستقرار لا يمكن أن يتحقق دون امرأة واعية وقادرة ومشاركة.

إن توعية المرأة هي بداية التغيير، وتمكينها هو ثمرة هذا التغيير. وحين تنهض المرأة بالمعرفة والوعي، ينهض معها المجتمع بأكمله نحو مستقبل أكثر عدلًا وكرامة وإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!