
إيمان التجاني
يشهد السودان اليوم مرحلة حرجة من تاريخها السياسي، حيث تتشابك أزمات الحرب مع ضعف مؤسسات الدولة، ويبدو أن القرار الوطني أصبح أسير ولاءات داخلية وخارجية. الأزمة الراهنة تكشف بشكل واضح أن الجيش، الذي يُفترض أنه الضامن للاستقرار، مختطف من قبل قوى سياسية محددة، فقد القدرة على اتخاذ أي موقف مستقل، في حين يتعامل الطرف الآخر في النزاع بمسؤولية وأخلاق، مع التركيز على حماية المدنيين وضمان إيصال المساعدات الإنسانية.
الواقع الميداني والسياسي يوضح أن المؤسسة العسكرية لم تعد هيئة موحدة تتخذ قراراتها بناءً على المصلحة الوطنية العليا، بل صارت أداة في يد عناصر مرتبطة بجماعات سياسية تسعى لاستغلالها لتعزيز مصالحها الخاصة. هذا الانقسام داخل الجيش يجعل كل المبادرات التفاوضية عرضة للفشل، ويحول كل محاولات الوساطة الدولية إلى مجرد مناورات لكسب الوقت، بينما يستمر الشعب في دفع ثمن النزاع والدمار.
في المقابل، تظهر بعض القوى المسلحة الأخرى قدرة ملحوظة على تحمل المسؤولية والتعامل مع الأزمة بروح وطنية وأخلاقية، عبر الالتزام بالهدنة الإنسانية، وتسهيل وصول المساعدات، والتفاوض بشكل متوازن بين المسار العسكري والسياسي. هذا الفارق في النهج بين الطرفين يبرز أهمية القيادة الواعية والمنضبطة، ويؤكد أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا عندما تكون المؤسسات ملتزمة بالقيم الوطنية ومصلحة المواطنين.
أحد أبرز التحديات هو غياب القدرة على اتخاذ قرار مستقل داخل الجيش، نتيجة سيطرة عناصر مرتبطة بجماعات سياسية محددة، ما يحد من فعالية أي اتفاقيات للسلام أو خطوات لإنهاء الحرب. وفي ظل هذا الوضع، يظل الطرف الآخر مثالاً على قدرة الجهات المسلحة على التصرف بمسؤولية، مع إدراك واضح لمعاناة المدنيين وأهمية الاستقرار الوطني.
المشهد الحالي يفرض على كل الجهات الفاعلة، المحلية والدولية، التركيز على إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية على أسس مهنية، تضمن استقلال القرار العسكري عن ولاءات فردية أو حزبية، وتعكس التنوع الإثني والجغرافي للسودان. فقط من خلال إصلاح شامل يمكن للسودان أن يتحرك نحو السلام المستدام، وأن يضمن حقوق جميع المواطنين دون استثناء.
ختاماً، الأزمة السودانية اليوم هي اختبار حقيقي لمصداقية كل الأطراف. فالسلام لن يتحقق إلا بالقرار الحكيم، والالتزام بالقيم الإنسانية، وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة بما يخدم المصلحة العامة، بعيداً عن أي ولاءات ضيقة أو مصالح ضيقة. الشعب السوداني يستحق قيادة قادرة على حماية حياته ومستقبله، لا مجرد أدوات مختطفة للسلطة تحت شعارات فارغة.




