من ام صميمة إلى المحكمة: لا جريمة بلا عقاب في عهد تأسيس .. ولا شرعية لجريمة حتى في زمن الثورة
خالد كودي - الأراضي المحررة، كاودا

خالد كودي – الأراضي المحررة، كاودا
انتشر مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثق، بوضوح، عملية تصفية ميدانية لأحد أسرى مليشيات حكومة بورتسودان، على يد وحدة مسلّحة تابعة لقوات الدعم السريع في منطقة ام صميمة، بقيادة الجنرال إسماعيل أبوشوك – مجموعة ٤٣ كما صرح الجنود في الفيديو.
وإن كان هذا الحدث المؤلم يستوجب الإدانة والمحاسبة، فإن ذلك لا يجب أن يحجب حقيقة أخرى: الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات الدعم السريع في معارك ام صميمة تُعدّ تحوّلًا ميدانيًا مهمًا في مسار الحرب، وتستحق الإشادة والتقدير، لا فقط من الناحية العسكرية، بل أيضًا كرسالة ضد مشروع التسلّط الدموي الذي تمثّله حكومة بورتسودان.
ومع ذلك، فإن عظمة الانتصار لا تُبرر الجريمة.
ولا يجوز أن تلطّخ تجاوزات فردية أو جماعية من بعض الجنود شرف هذه المعارك ولا رمزية التقدّم الثوري في جبهات النضال المختلفة. فالعدالة، في مشروع “تأسيس”، ليست شعارًا انتخابيًا أو مرافقة موسمية، بل مبدأ تأسيسي لا يقبل الاستثناء، ولا يسقط أمام “الضرورة الثورية”، أو اعتبارات الحرب.
ذلك أن ما جرى في الصميمة، بصرف النظر عن دوافعه أو هوية مرتكبيه، يمثّل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، ومخالفة جوهرية لروح ميثاق “تأسيس”، الذي التزمت عليه القوى الثورية، ووضعته أساسًا للحكومة المدنية الانتقالية لتحالف “تأسيس من أجل السلام والوحدة.”
في الدولة التي نحلم بها، لا حماية لقاتل مهما كانت رايته، ولا حصانة لمن يذبح أسيرًا مهما كانت الجبهة التي يقاتل فيها. والانتصارات لا تُقاس بعدد الجثث، بل بمدى التزام المنتصر بالقيم التي من أجلها حمل السلاح.
أولًا: الجريمة من منظور القانون الدولي الإنساني
ينص البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977، في المادة 75 (الضمانات الأساسية)، على الحظر الصريح لما يلي:
“القتل العمد، والتعذيب بجميع أشكاله، والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بحق أي شخص يحتجز، سواء كان أسير حرب أو مدني، وتحت أي ظرف من الظروف.”
أما اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 بشأن معاملة أسرى الحرب، فتؤكد في مادتها الثالثة المشتركة والمادة 13 منها، أن:
“يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات، دون أي تمييز مجحف. ويُحظر بصورة خاصة: القتل بجميع أنواعه، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب، والإهانة، وأي اعتداء على الكرامة الشخصية، لا سيما المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.”
بالتالي، فإن المشهد الموثّق في الفيديو المتداول، إن ثبتت صحته، لا يُعد مجرد انتهاك فردي أو سلوكًا معزولًا، بل يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان بموجب القانون الدولي الإنساني، تُلزم بملاحقة الجاني قضائيًا، ومحاسبة كل من شارك في ارتكاب الجريمة أو التستّر عليها أو الأمر بها أو التغاضي عنها.
إن التزام تحالف “تأسيس” المعلن باحترام القانون الدولي الإنساني، يستوجب أن تكون الاستجابة لهذه الجريمة نموذجًا عمليًا في المساءلة، وعدم الإفلات من العقاب، وحماية المبادئ التي وُلدت الثورة من أجلها.
ثانيًا: الموقف الأخلاقي والسياسي لتحالف “تأسيس.”
بروح الدستور الانتقالي لتحالف “تأسيس” وميثاقه المؤسس، يتّضح أن مشروع السودان الجديد لا يقوم فقط على وعود سياسية، بل على التزام قانوني وأخلاقي صارم بجوهر القانون الدولي الإنساني ومبادئ العدالة الكونية. فـ”تأسيس” لا يساوي بين الجلاد والضحية، ولا يتساهل مع الجرائم التي ارتُكبت باسم السلطة، كما لا يمنح غطاءً أخلاقيًا أو سياسيًا لأي فاعل – فردًا كان أو جماعة – ينتهك حقوق الإنسان، حتى لو رفع راية الثورة.
لقد جاء في الوثائق المؤسسة لتحالف “تأسيس” تأكيدٌ متكرر على أن الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والقتل خارج القانون، والتعذيب، والاغتصاب، والإبادة، والفساد الممنهج… كلها لا تسقط بالتقادم ولا بالعفو، ولا يمكن تسويتها عبر تسويات سياسية أو تفاهمات مرحلية. بل إن جوهر مشروع “تأسيس” هو الالتزام بمبادئ المساءلة والعدالة، دون تمييز بين المجرمين، ودون استثناء لأحد مهما كانت خلفيته أو موقعه السياسي.
ينسجم هذا الموقف مع أرقى المبادئ الدولية، من اتفاقيات جنيف إلى المحكمة الجنائية الدولية، حيث تُعد حماية الكرامة الإنسانية، وتجريم الاعتداء على الأسرى والمدنيين، والتصدي لجرائم الحرب، من أركان النظام القانوني الدولي الحديث.
لذلك، فإن تحالف “تأسيس” لا يجب ان ينطلق فقط من موقف أخلاقي، بل من التزام دستوري ومبدئي، يُؤسس لعدالة انتقالية جذرية وشاملة، تطال الماضي والحاضر، وتُخضع الجميع للمساءلة، بما في ذلك من يرتكب الجرائم تحت راية الثورة نفسها.
إن مشروع “تأسيس” يؤمن بأن العدالة ليست مكافأة تُمنح بعد الانتصار، بل هي حجر الأساس لأي مستقبل جديد. ولهذا فإن احترام القانون الإنساني، وعدم قتل الأسرى أو الإساءة إليهم، ليس فقط واجبًا قانونيًا، بل هو شرط أخلاقي لاستمرار مشروعية الثورة ذاتها.
ثالثًا: لا استثناء في المحاسبة – العدالة حجر الأساس لا شعارات عابرة
نحن، جماهير السودان الجديد ومناصرو مشروع “تأسيس”، نُعلن دون مواربة أن العدالة ليست شعارًا تجميليًا، بل مبدأ مؤسس، وشرط جوهري لبقاء مشروعية الثورة واستمرارية بناء الدولة الجديدة. ومن هذا المنطلق، فإننا نطالب – بوضوح – بما يلي:
– محاسبة الجندي الذي ارتكب جريمة تصفية الأسير، وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق “تأسيس”، دون تسويف أو تبرير أو تعمية.
– مساءلة القائد الميداني، الجنرال إسماعيل أبوشوك، الذي تتحمل وحدته المسؤولية المباشرة عن الجريمة، وتقديمه إلى التحقيق كجزء من مبدأ المسؤولية القيادية، حيث لا يجوز أن تُختزل الجريمة في الجندي المنفّذ وحسب.
– مساءلة كل الجنود المتورطين بالصمت أو المشاركة أو التساهل، لأن التواطؤ بالصمت عن الجريمة يُعد مشاركة فيها بموجب قواعد القانون الدولي وقواعد الاشتباك الأخلاقية الثورية.
– إجراء تحقيق عاجل، مستقل وشفاف، تعلنه حكومة “تأسيس” للرأي العام، وتُقدّم نتائجه أمام محكمة علنية، تضمن العدالة لضحايا هذه الجريمة، وتحول دون تكرارها.
هذه المطالب لا تُعبّر عن نزعة انتقامية، بل عن رؤية تؤمن أن الثورة التي لا تُحاسب أبناءها حين يخطئون، لن تُحاسب أعداءها حين يجرمون. فـ”تأسيس” ليس تكرارًا للدولة القديمة، ولن يكون، ما لم تترجم شعارات العدالة والمساواة والمحاسبة إلى وقائع ملموسة، تبدأ من الجيش الثوري ذاته قبل غيره.
إن محاسبة الجناة، بصرف النظر عن مواقعهم في صف الثورة، هي امتحان حقيقي للقطع مع ثقافة الإفلات من العقاب، التي حكمت السودان لعقود، وكانت أداة لبقاء الطغاة ومليشياتهم فوق القانون. ونحن، باسم الضمير الثوري، نقول بوضوح:
لا دولة جديدة بلا عدالة، ولا عدالة مع انتقائية، ولا ثورة تُحمى إن غفرت لمن يقتل باسمها.
رابعًا: لا تكرار لجرائم الجيش – التصفية ليست استثناءً بل تقليد دولة ويجب كسره
إن ما حدث في “ام صميمة” من تصفية أسير على يد عنصر يتبع لوحدة من قوات الدعم السريع لا يمكن النظر إليه باعتباره سلوكًا فرديًا أو حادثًا معزولًا عن سياقه البنيوي. بل هو صورة مؤلمة، تذكّرنا بإرث الدولة السودانية كما شُيِّدت تاريخيًا، وبعقيدة الجيش النظامي الذي لم يكن يومًا ملتزمًا بالقانون الدولي الإنساني، بل انبنى على العنف المجرد، والقتل خارج القانون، وتصفية الأسرى والجرحى بوصفها أدوات مشروعة في استراتيجية الدولة للحرب والبقاء.
فالجيش السوداني، تاريخيًا، هو المؤسسة التي أسّست لتقاليد تصفية الأسرى بدلًا من معاملتهم كأسرى حرب. لم يكن ذلك سلوكًا شاذًا، بل صار جزءًا من ثقافته القتالية وممارساته الممنهجة، حيث تحوّلت جريمة الحرب إلى عقيدة غير مكتوبة تُدرّس ضمنيًا في سلوك القوة والانضباط، لا يقيدها قانون، ولا يردعها رادع أخلاقي.
وقد وثقت التجربة السودانية الحديثة نماذج دامغة على هذا التوجه، من بينها:
– في دارفور: ارتكب الجيش النظامي، بالتنسيق مع مليشيات حليفة قبل تاسيس، إعدامات ميدانية ممنهجة ضد أسرى الحركات المسلحة، ووقعت مجازر كاملة في قرى نائية لم يُنجُ فيها حتى الجرحى.
– في الخرطوم وجنوب الجزيرة (2023–2024): تم توثيق ورصد جرائم إلقاء الأسرى والجرحى في الأنهار، وهم مقيّدو الأيدي والأرجل، فضلًا عن تسجيلات مصورة لقطع الرؤوس، وتشويه الجثامين، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.
– استخدام الأسلحة الكيميائية: في معارك متفرقة، لجأ الجيش السوداني إلى أسلحة محرّمة دوليًا ضد مقاتلي الدعم السريع والمدنيين في المناطق الحضرية، في خرق واضح لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، دون مساءلة أو تحقيق.
– الإعدامات الميدانية لعناصر الحركات المسلحة: من العدل والمساواة، إلى حركة تحرير السودان، إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، تعرّض الأسرى إلى القتل دون محاكمة، وغالبًا بأوامر قيادية ضمن سياسات دولة لا تعترف بكرامة الخصوم.
إن هذه الأمثلة توضح بجلاء أن الجرائم ضد الأسرى لم تكن في يوم من الأيام لحظات انفلات فردية داخل الجيش، بل كانت نتيجة مباشرة لعقيدة دولة ارتكزت على الإقصاء، والعنف، والتطهير السياسي والعرقي، والتنكيل بالمخالفين.
وعليه، فإن خطورة ما جرى في “الصميمة” لا تكمن فقط في وقوع الجريمة ذاتها، بل في ما قد يُمثّله من انزلاق خطير نحو تكرار ذات العقلية العسكرية التي ثارت ضدها الجماهير.
إن تحالف “تأسيس”، بوصفه مشروعًا لبناء سودان جديد، لا يستطيع أن ينتصر إلا إذا قَطع بوضوح مع تقاليد الدولة القديمة. ولا يمكن قبول أن تتحوّل أي من مكوناته المسلحة إلى صورة معكوسة للجيش السوداني الذي قامت الثورة على أنقاض عقيدته.
الأسير ليس مجرد عدو جريح. بل هو امتحان أخلاقي وقانوني لأي حركة تحمل راية التحرير والعدالة. والثورة ليست في رفع علم جديد فوق الخراب، بل في كسر أدوات القهر القديمة، وتجريمها، ومحاسبة من يعيد إنتاجها مهما كان موقعه أو انتماؤه.
خامسًا: موقف جماهير السودان الجديد
باسم جماهير السودان الجديد، وباسم المؤيدين لتحالف تأسيس، نؤكد أن هذا الفعل لا يمثلنا، وندين بأشد العبارات كل من شارك أو سكت أو برّر.
نحن نرفض منطق “التبرير الانتقامي/الثاري” ونرفض استخدام السلوك الإجرامي كأداة مشروعة في حرب تدّعي التأسيس للسلام.
الثورة لا تبني شرعيتها بتكرار جرائم الطغاة، بل بكسر دورتها.
سادسًا: مرافعة أخلاقية باسم المستقبل
ليست الثورة مشروعًا للثأر، بل وعدًا أخلاقيًا بميلاد إنسان جديد ودولة جديدة.
وكما تُعلّمنا دروس التاريخ والفكر التحرري، تُقاس الثورات لا فقط بما تنجزه، بل أولًا بما ترفض أن ترثه من قبح ومظالم وسلوكيات أنظمة الاستبداد.
إن تحالف “تأسيس” ليس مجرّد ائتلاف سياسي، بل هو عقد أخلاقي مع شعوب السودان لبناء دولة ترتكز على العدالة، المحاسبة، واحترام الكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن التهاون مع الجرائم أو التستر على الانتهاكات، حتى لو ارتُكبت باسم الثورة، يُعد خيانة للمشروع ذاته، ويُنذر بتحوّله إلى تكرار مشين للدولة القديمة التي ثرنا ضدها.
لكن، في خضم هذا المشهد القاتم، ظهرت بادرة مضيئة لا يجب أن تُنسى: في مقطع فيديو آخر من معارك الصميمة، ظهر بعض مقاتلي الدعم السريع وهم يُطعمون أحد الأسرى الجرحى الخبز ويسقونه الماء، ويطمئنونه بأنهم سيسعفونه ويعيدونه إلى أهله سالمًا.
هذه ليست مجرد لفتة إنسانية، بل تجسيد حيّ للروح الثورية الحقيقية، الروح التي يجب أن يتحلّى بها كل من يقاتل من أجل السودان الجديد.
هذا هو الانقلاب الحقيقي على إرث دولة الهيمنة: حين يُعامل الثائر خصمه الجريح كأسير له حق الحماية لا كهدف للانتقام.
وكما يذكّرنا فرانز فانون، فإن الثورات لا تُعرّف بعنفها، بل بقدرتها على خلق منطق جديد للعدالة. أخلاقيات الحرب الثورية لا تُقاس بحجم الرد، بل بطبيعة البديل الذي تبنيه؛ بديل يضع العدالة فوق الانتقام، والإنصاف فوق الغضب، ويُخضع السلاح لقيم الإنسانية لا العكس.
الختام: لا شرعية لجريمة حتى في زمن الثورة
لكي تحافظ حكومة “تأسيس” على شرعيتها الثورية، عليها أن تُبرهن باستمرار على أن القانون فوق الجميع، بما في ذلك مقاتلوها. فالسلاح لا يمنح الحق، بل يجب أن يُسخَّر لحمايته.
وإن لم تكن الثورة قادرة على محاسبة من يجرم باسمها، فكيف ستُحاسب من يعاديها؟
ليكن هذا الفيديو، رغم قسوته، بداية قطيعة مع إرث العنف اللامسؤول، ومنعطفًا نحو بناء جيش جديد –
جيش لا يُكرّر أخطاء جيش المركز،
لا يُعيد إنتاج العنف الطبقي والعنصري،
ولا يرفع علم السودان الجديد بيد، بينما يُخفي سكين الجريمة باليد الأخرى.
العدالة لا تتجزأ، والثورة لا تتّسع للقتلة.
و”تأسيس” لن تكون مشروعًا مؤسِّسًا إلا إذا بدأت بتأسيس القيم التي دافعت عنها، على كل الجبهات، بما فيها جبهة الضمير.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




