
عبدالعزيز بخات المحامي
منذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، لم يعد للسودانيين حلمٌ أكبر من أن تتوقف هذه المأساة التي ابتلعت الوطن وأرهقت الإنسان. لم يعد المواطن ينتظر انتصاراً عسكرياً أو مكسباً سياسياً، بل بات يتطلع إلى أبسط حقوقه: أن يعيش آمناً في منزله، وأن يطمئن على أطفاله، وأن يستعيد حقه الطبيعي في الحياة.
لقد اكتفى السودانيون من مشاهد الموت والدمار والنزوح واللجوء. اكتفوا من أصوات المدافع التي غطّت على أصوات الحياة، ومن الخطابات التي تعدهم بالكرامة فيما تتآكل الدولة وتنهار مؤسساتها يوماً بعد يوم. فما قيمة الشعارات حين يصبح المواطن مشرداً في وطنه أو لاجئاً على حدود الآخرين؟ وما معنى الانتصارات المعلنة بينما يزداد عدد الضحايا وتتسع رقعة المأساة الإنسانية؟
مرت على السودانيين أعياد عديدة منذ اندلاع الحرب، لكنها لم تكن أعياداً بالمعنى الذي تعرفه الشعوب. جاءت مثقلة بالحزن والخوف والفقدان. ملايين المواطنين استقبلوا هذه المناسبات في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء وبلدان اللجوء، بعيداً عن بيوتهم وأسرهم وذكرياتهم. أعياد بلا فرحة، وأيام بلا طمأنينة، ووطن يرزح تحت أثقال حرب لم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وأصابته بالخراب.
مدن بأكملها أُفرغت من سكانها، وأحياء كانت تعج بالحياة تحولت إلى مساحات للصمت والخوف والدمار. المستشفيات خرج كثير منها عن الخدمة، والمدارس أغلقت أبوابها، والجامعات توقفت عن أداء رسالتها، والمصانع تعطلت، والأسواق أصابها الركود، فيما يتهاوى الاقتصاد الوطني تحت وطأة الحرب والاستقطاب السياسي والتضليل الإعلامي.
وفي خضم هذا الواقع المؤلم، يبرز سؤال مشروع: هل يدرك المسؤولون حجم المعاناة التي يعيشها المواطن السوداني؟ وهل يعلم الذين يواصلون تسويق خطاب الحرب أن ملايين السودانيين أصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة؟ لقد بلغ الغلاء مستويات غير مسبوقة، وأصبح الحصول على الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً لأسر فقدت منازلها وأعمالها ومصادر دخلها.
إن غالبية السودانيين اليوم لا يبحثون عن مزيد من المعارك، ولا ينتظرون المزيد من الشعارات. ما يريدونه هو السلام. يريدون دولة تحترم القانون، وتصون الحقوق، وتحقق العدالة والمساواة بين مواطنيها. يريدون وطناً لا يُقصي أبناءه ولا يدفعهم إلى النزوح واللجوء، ولا يحول حياتهم إلى سلسلة متواصلة من المآسي والانتهاكات.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن القادة الحقيقيين هم الذين يصنعون السلام ويحفظون الأرواح ويقودون شعوبهم نحو الاستقرار والتنمية، لا أولئك الذين يطيلون أمد الحروب ويبررون المآسي بخطب سياسية وشعارات جوفاء. فالكرامة لا تُبنى فوق أنقاض البيوت، ولا تتحقق في ظل الجوع والخوف والتشرد، ولا يمكن أن تزدهر في دولة تنهار مؤسساتها ويتفكك نسيجها الاجتماعي.
ومن هنا، فإن الإعلام المسؤول مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكون صوتاً للضحايا والمهمشين والنازحين والمحرومين، لا منصة لتبرير استمرار الحرب أو الترويج لخطابات الكراهية والانقسام. فالدور الحقيقي للإعلام هو الدفاع عن الحقيقة، وإعلاء قيمة الإنسان، وتسليط الضوء على معاناة المدنيين، والدفع باتجاه السلام والعدالة وسيادة حكم القانون.
لقد تعب السودانيون من الحرب، وتعبوا من الخطابات المتناقضة والوعود التي لا تتحقق. تعبوا من المتاجرة بآلامهم ومعاناتهم. والتاريخ لن يرحم أولئك الذين جعلوا من الوطن ساحةً للصراع والدمار، وقدموا مصالحهم الضيقة على حساب شعب يستحق الحياة الكريمة والاستقرار.
وفي هذه الأيام المباركة، لا يملك السودانيون سوى أن يرفعوا أكف الضراعة إلى الله تعالى أن يطفئ نار الحرب، وأن يحفظ أرواح الأبرياء، وأن يعيد النازحين واللاجئين إلى ديارهم سالمين، وأن تعود المدارس والمستشفيات والجامعات إلى أداء رسالتها، وأن يستعيد السودان عافيته ومكانته ووحدته.
اللهم أوقف الحرب في السودان.
اللهم احقن دماء السودانيين.
اللهم أعد لهذا الوطن أمنه واستقراره، واجعل مستقبله قائماً على السلام والعدالة والكرامة الإنسانية.
فما من وطن يستحق الحياة أكثر من السودان، وما من شعبٍ يستحق السلام أكثر من شعبه العظيم.




