كيف أسقطت حكومة الفترة الانتقالية؟لأن الدولة العميقة كانت تخوض حرباً خفية ضد الثورة
محمد داؤد بنداك

محمد داؤد بنداك
إن الحديث عن أخطاء قوى الثورة لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لتبرئة الثورة المضادة من جرائمها المنظمة ضد الشعب السوداني. نعم، وقعت أخطاء داخل قوى الحرية والتغيير، وبعضها كان مؤلماً ومكلفاً، لكن الحقيقة التي لا يجوز القفز فوقها هي أن الدولة العميقة كانت تخوض حرباً تخريبية كاملة ضد حكومة الثورة منذ يومها الأول.
لقد كانت هناك عملية ممنهجة لإفشال الفترة الانتقالية وتجويع الشعب وإرهاقه ودفعه نفسياً نحو اليأس والكراهية تجاه الثورة، حتى يبدو الانقلاب العسكري وكأنه “المنقذ”. وهذه ليست تحليلات نظرية، بل وقائع عاشها المواطن السوداني يومياً في الخبز والماء والكهرباء والأمن.
في أم درمان والعاصمة كلها، اختفت شاحنات نقل النفايات بصورة غامضة، وتحولت المدن إلى مكبات قذرة، بينما كانت عربات النظافة متوقفة عمداً بأعطال ميكانيكية مفتعلة. وفي ذات الوقت، اختفت مواد تنقية المياه من المحطات، فأصبحت المياه التي تصل إلى منازل المواطنين عكرة ومحمّلة بالطين وكأن الدولة تعاقب الشعب على ثورته.
أما الكهرباء، فقد تحولت إلى أداة عقاب سياسي جماعي. أعطال متكررة في المحولات، وانقطاع يومي تجاوز اثنتي عشرة ساعة، في مشهد لم يكن بريئاً ولا عفوياً، بل جزءاً من خطة إنهاك الناس ودفعهم للحنين إلى عهد الاستبداد.
وفي الأسواق والشوارع، تُركت عصابات “أربعة طويلة” تعيث فساداً ونهباً أمام أعين الجميع، بينما كانت الأجهزة الأمنية تتفرج، لأن نشر الفوضى كان مطلوباً لإيصال رسالة خبيثة تقول إن الثورة جلبت الانهيار الأمني.
وفي الجانب الإعلامي، شُنّت واحدة من أقذر حملات التضليل السياسي والديني في تاريخ السودان الحديث. فقد تم استهداف لجنة إزالة التمكين بصورة هستيرية، ليس لأنها ظالمة أو فاسدة، بل لأنها ضربت الإمبراطورية المالية للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في مقتل. تلك اللجنة وضعت يدها على الأموال المنهوبة، وجمدت شبكات التمويل التي كانت تحرك الثورة المضادة من داخل وخارج مؤسسات الدولة.
ولذلك لم يكن غريباً أن يكون أول قرار للفريق البرهان بعد انقلاب 25 أكتوبر هو تجميد قرارات لجنة إزالة التمكين وحلها بالكامل، في اعتراف سياسي واضح بأن اللجنة كانت تؤلمهم فعلاً.
ولم تتوقف الحرب عند ذلك، بل امتدت إلى استغلال الدين بصورة رخيصة ومخجلة. فقد جرى تحريض البسطاء عبر بعض المنابر الدينية والدعاة السلفيين، ونُشرت أكاذيب تتحدث عن نية حكومة حمدوك إلغاء التربية الإسلامية وفتح البارات ومحاربة الدين، وهي أكاذيب استهدفت اللعب على عواطف الناس وتحويل التدين الشعبي إلى أداة سياسية بيد الثورة المضادة.
بل إن المظاهرات التي خرجت ضد المبعوث الأممي فولكر بيرتس لم تكن تعبيراً شعبياً بريئاً كما حاولوا تصويرها، وإنما تم تنظيمها وحشدها عبر استغلال الأطفال والنساء والفقراء، ونقلهم بالحافلات من الخلاوي والقرى، بعد غسل أدمغتهم وإيهامهم بأنهم يخوضون معركة دفاع عن الإسلام.
إن أخطر ما ارتكبته قوى الثورة لم يكن فقط أخطاء الإدارة السياسية، بل فشلها في قراءة حجم المؤامرة التي كانت تُحاك ضدها داخل مؤسسات الدولة نفسها. لقد تعامل البعض بسذاجة مع دولة ما تزال مفاصلها الأمنية والاقتصادية والإدارية خاضعة لعناصر النظام القديم.
واليوم، بعد أن رأى الشعب نتائج الانقلاب والحرب والدمار والانهيار الكامل للدولة، أصبح من الضروري إعادة بناء مشروع وطني ديمقراطي أكثر وعياً وصلابة، يقوم على توسيع قاعدة القوى المدنية الديمقراطية، وعلى فهم حقيقي لطبيعة المعركة مع بقايا النظام القديم، لا باعتبارها منافسة سياسية عادية، بل صراعاً وجودياً بين مشروع الدولة المدنية ومشروع الاستبداد الديني العسكري.
إن الدرس واضح:
لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بينما تظل أدوات النظام القديم متغلغلة داخل مؤسسات الدولة، ولا يمكن حماية الثورة بالشعارات وحدها، بل بالوعي والتنظيم والقدرة على تفكيك شبكات التخريب التي لا تزال تعمل حتى هذه اللحظة.
محمد داؤد بنداك




