
علي سانتينو
ما يعيشه السودان منذُ انقلاب 25 أكتوبر ليس سوى فصل جديد من صراع النخبة العسكرية السياسية التي احتكرت مفاصل الدولة منذ الاستقلال، النخبة التى ترى في أي عملية تحول ديمقراطي نهاية إمبراطوريتها الممتدة على ضفاف النيل. وفي مقدمة هذا الصف المتشبث بامتيازاته يقف الجنرالين ياسر العطا وعبد الفتاح البرهان، بصفتهما التعبير الأوضح عن نخبة شمالية نيلية أدمنت احتكار السلطة، واعتادت أن تعتبر الجيش امتداداً طبيعياً لسيادتها التاريخية، لا مؤسسة وطنية يجب أن تخضع لإرادة الشعب!
في لحظات سيئة ولغة أسوأ، كشف الجنرال المُنبت ما تحاول هذه النخبة إخفاءه. حين قال إنه سيعود من التقاعد لو دعت الضرورة لينفذ انقلاباً علي اي حكومة منتخبة، العطاء لا يطلق تهديداً عابراً، بقدر ماهو يشرح عقيدة كاملة عقيدة ترى أن السودان وُجد ليُدار من منطقة معينة، عبر شبكة مصالح محمية بالرتب العسكرية، وأن الشعب ليس سوى ضيفٍ عابر على موائد السياسة التي يحتكرها الجيش القديم. هذا الجيش الذي لا يمثّل الوطن، بل يمثّل الامتيازات التي راكمتها النخبة الحاكمة لعقود من الزمان!
والأكثر انكشافاً أن هذا العناد العسكري يلتقي تماماً مع الرؤية المصرية التقليدية للسودان. فالقاهرة، عبر التاريخ لم تُخفِ رغبتها في أن يكون السودان محكوماً بذات المجموعة السياسية العسكرية التي يسهل التعامل معها، والتي لا تتقاطع مصالحها مع المصالح المصرية في الأمن والموارد والنفوذ. وما يفعله العطا والبرهان اليوم يمثل إعادة إنتاج ذلك النموذج القديم الذي وضع السودان في دائرة التبعية الناعمة، بحيث تبقى السلطة في يد نخبة شمالية مرتبطة عضوياً بالمركز المصري ودائرة مخابراته، بينما تُترك الهوامش السودانية خارج المعادلة!
هذا التماهي بين القيادة العسكرية السودانية والدور المصري ليس صدفة سياسية؛ هو جزء من هندسة ممتدة لعقود، هندسة صنعت جيشاً لا يحمي التنوع السوداني بقدرما يحمي توازنات مركزية ضيقة. ولهذا ترفض هذه القيادة العسكرية الإخوانية بصورة حاسمة ومستمرة أي مشروع لإعادة بناء جيش مهني جديد. فهي تعلم أن الجيش الجديد يعني نهاية احتكار السلطة، ويعني صعود مكوّنات السودان كلها إلى واجهة الدولة العلمانية، ويعني أن زمن الحكم المفروض من مركز واحد قد انتهى!
انقلاب البرهان وتهديدات العطا ليست تمرداً على المدنيين، بقدر ما هي تمرد على دولة سودانية جديدة تحاول أن تولد. هما في الواقع جزءاً من مشروع يرفض الديمقراطية لأنها تُفكك الامتيازات التقليدية، ويرفض الجيش الجديد لأنه يُخرج القوة من قبضة النخبة، ويرفض أي استقلال سياسي، لأن الاستقلال الحقيقي يزعزع العلاقة القديمة مع القاهرة التي بُنيت على تبادل المصالح وتوزيع النفوذ!
لقد أصبحت تصريحات العطا بجنونها السياسي اعترافاً صريحاً بأن الحرب التي يصرّ عليها الجيش ليست معركة وطنية، بل معركة دفاع عن امتيازات نخبة تقاتل عن آخر جولات نفوذها. أما البرهان فليس إلا الوجه الآخر لهذه العقلية البائسة؛ عقلية تتصرف كأنها الوصي الأخير على السودان، وهي في الحقيقة جزءاً من نظام فشل في بناء دولة ونجح في حماية سلطته!
الحقيقة أن السودان اليوم أمام واقعه أكثر وضوحاً لا مستقبل لدولة تحكمها نخبة عسكرية سياسية تتغذى من التاريخ وتخشى المستقبل. ولن تُبنى الدولة إلا بجيش جديد، جيش يقطع الحبل السري الذي ظل يربط السلطة السودانية بالمركز المصري، ويعيد السلطة إلى أصحابها الحقيقيين، الشعوب السودانية بكل مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.




