رأي

كيف كشفت دماء المدنيين فشل البرهان وعصابة بورتسودان؟

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم تكن العربة التي إحترقت على طريق” الفولة _ أبو زبد” تحمل أسلحة ثقيلة، ولم تكن في مهمة قتالية، ولم تكن جزءاً من معركة عسكرية،كانت مجرد وسيلة نقل تقل مدنيين معظمهم أطفالاً ونساءً وجدوا أنفسهم فجأة في قلب مأساة جديدة تضاف إلى سجل الحرب السودانية الطويل.

هذة الحادثة، بما خلفته من ضحايا ومشاهد مروعة، تطرح سؤالاً لا يمكن الهروب منه: كيف أصبحت أرواح المدنيين هدفاً سهلاً في حرب يدفع ثمنها الأبرياء كل يوم؟ وكيف تستمر عصابة بورتسودان، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، في إدارة حرب تتسع دائرتها لتبتلع المواطنين الذين تدّعي حمايتهم؟لقد تحولت لغة البيانات الرسمية إلى محاولة دائمة للهروب من المسؤولية، بينما تبقى الحقائق على الأرض أكثر وضوحاً من أي خطاب سياسي،فالنتيجة النهائية واحدة: مزيد من القتلى، ومزيد من النازحين، ومزيد من الأسر التي تفقد أبناءها دون ذنب سوى أنها وجدت نفسها في المكان الخطأ في الزمن الخطأ.

صمت مخجل من بعض أبناء غرب كردفان،و الأكثر إيلاماً من المأساة نفسها هو مشهد بعض الشخصيات المحسوبة على غرب كردفان وهي تواصل الإصطفاف السياسي خلف السلطة القائمة في بورتسودان، وكأن دماء الضحايا لا تعنيها، أو كأن ما جرى لا يستحق موقفاً واضحاً وصريحاً.

كان المنتظر أن ترتفع الأصوات دفاعاً عن أهل المنطقة، وأن تكون الأولوية لأرواح المدنيين، لا لحسابات الولاء السياسي، لكن ما نشهده في كثير من الأحيان هو صمت ثقيل، أو تبريرات مرتبكة، أو محاولات للإلتفاف حول جوهر القضية،أهل غرب كردفان يحتاجون إلى من يدافع عن حقهم في الحياة والأمن والكرامة، بعيداً عن أي إصطفاف سياسي أو عسكري.

القوى السياسية السودانية، فقد بدت مرة أخرى وكأنها خارج لحظة التاريخ،بيانات عامة، ومواقف رمادية، وصياغات دبلوماسية عاجزة عن تسمية المأساة باسمها الحقيقي.

في اللحظات الكبرى لا تُقاس المواقف بعدد الكلمات، بل بوضوحها، وعندما يُقتل المدنيون ويُستهدف الأبرياء، فإن الغموض السياسي لا يصبح حكمة، بل يتحول إلى شكل من أشكال التهرب من المسؤولية الأخلاقية.

لقد فقد السودانيون ثقتهم في كثير من القوى التي ما زالت تتعامل مع الكارثة الوطنية بعقلية المناورات الحزبية، بينما البلاد تنزف في كل اتجاه.

على المستوى الدولي، يتكرر المشهد ذاته منذ إندلاع الحرب: بيانات قلق، ودعوات للتهدئة، وإجتماعات لا تنتهي، بينما تستمر معاناة السودانيين بلا توقف.

لقد أثبت المجتمع الدولي عجزاً واضحاً عن الإنتقال من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة الفعل المؤثر،

فالسودانيون لا يحتاجون إلى بيانات جديدة بقدر حاجتهم إلى خطوات حقيقية تحمي المدنيين وتوقف الإنتهاكات وتفرض المساءلة على المسؤولين عنها. مأساة العربة المحترقة على طريق الفولة – أبو زبد اليوم هي ليست حادثة معزولة، بل صورة مكثفة لفشل سياسي وعسكري وإنساني متعدد الأطراف؛ و فشل تتحمل مسؤوليته قيادة الحرب التي تتمترس في بورتسودان ، ويكشف ضعف القوى السياسية والمدنية التي أثرت مسك العصاة من النصف، ويعرّي بطء المجتمع الدولي وسلحفائية تحركاته قصاد الأزمة السودانيى.

ستبقى صور العربة المحترقة شاهداً دامغاً على مرحلة سوداء من تاريخ السودان، وستظل دماء الضحايا تطرح السؤال ذاته على الجميع: من الذي حمى المدنيين؟ ومن الذي خذلهم؟في الوقت الذي يحاول فيه البعض الهروب من الإجابات، سيبقى التاريخ أكثر صراحة من البيانات السياسية، وأكثر عدالة من الحسابات المؤقتة، فدماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، وذاكرة الشعوب لا تنسى من صمت، ولا من برر، ولا من أخفق في حماية الإنسان السوداني،بينما سعى جاهدا ليحافظ على سلامة أبار البترول التي تدر له الأموال لجلب السلاح و قتل بقية الشعب دون أي وازع ضمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!