
نجوى بابو
كل انقلاب عسكري يحتاج إلى القوة التي تحميه، لكنه يحتاج كذلك إلى خطاب يخفف من أزمة القبول التي ترافق وصوله إلى السلطة خارج الإرادة الشعبية. وفي السودان، لم تعتمد الأنظمة العسكرية المتعاقبة على الأجهزة الأمنية والسلاح وحدهما، بل سعت أيضاً إلى بناء تحالفات اجتماعية ودينية تساعدها على ترسيخ وجودها داخل المجتمع وتخفيف حدة الاعتراض على حكمها.
ومن بين القوى التي استهدفتها هذه الأنظمة بعض القيادات الدينية والصوفية التي تمتلك تأثيراً واسعاً داخل المدن والأرياف. فالمجتمع السوداني ظل لعقود طويلة ينظر إلى الطرق الصوفية بوصفها مؤسسات روحية واجتماعية ذات حضور مؤثر في الحياة العامة، الأمر الذي جعلها محط اهتمام دائم من قبل الحكام الباحثين عن القبول والاستقرار.
المشكلة لم تكن في العلاقة الطبيعية بين الدولة والمؤسسات الدينية، فذلك أمر مألوف في مختلف المجتمعات. لكن الإشكال ظهر عندما انتقل بعض الشيوخ والقيادات الدينية من موقع النصح والإرشاد إلى موقع التماهي مع السلطة السياسية والدفاع عنها أو الصمت تجاه ممارساتها، حتى في اللحظات التي كان المجتمع ينتظر فيها موقفاً أخلاقياً واضحاً إلى جانب الحريات والحقوق العامة.
لقد عانت الحكومات العسكرية السودانية، شأنها شأن معظم الأنظمة التي تصل إلى السلطة عبر الانقلابات، من أزمة مستمرة في القبول السياسي. ولذلك سعت إلى الاستفادة من الرمزية الدينية والاجتماعية لبعض الطرق الصوفية، بينما وجدت بعض القيادات الدينية في القرب من السلطة فرصة لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها وتوسيع حضورها داخل مؤسسات الدولة.
هذا التداخل لم يقتصر على المجاملات البروتوكولية أو العلاقات الاجتماعية، بل امتد في بعض المراحل إلى توظيف الخطاب الديني في الصراع السياسي. فشهد السودان استخداماً لمفاهيم دينية في سياقات مرتبطة بالحرب والنزاعات الداخلية، الأمر الذي أدى إلى خلط خطير بين المقدس الديني والخلاف السياسي، وأضعف قدرة المجتمع على إدارة تنوعه واختلافاته بصورة سلمية.
ومن النتائج السلبية لهذه الممارسات أن بعض المطالب السياسية والتنموية المشروعة التي رفعتها مناطق الهامش جرى التعامل معها أحياناً باعتبارها خروجاً على المشروع الوطني أو تهديداً للهوية الدينية، بدلاً من النظر إليها باعتبارها مطالب مواطنين يسعون إلى العدالة والتنمية والمشاركة المتوازنة في السلطة والثروة.
وقد ساهم هذا الخطاب في تعميق الفجوة بين المركز والأطراف، وزاد من مشاعر التهميش والإقصاء، وأعاق فرص بناء توافق وطني حقيقي. فمشكلات السودان التاريخية لم تكن دينية في جوهرها، بل ارتبطت بقضايا الحكم والتنمية وتوزيع الموارد والتمثيل السياسي، وهي قضايا لا تُحل بالتعبئة الأيديولوجية ولا بإضفاء القداسة على الصراع السياسي.
ومن المفارقات أن البيئات الصوفية نفسها كانت من بين الحواضن الاجتماعية التي خرج منها آلاف الشباب المشاركين في ثورة ديسمبر، والذين رفعوا شعارات الحرية والسلام والعدالة. وهو ما يؤكد أن القواعد الاجتماعية للطرق الصوفية لم تكن كتلة واحدة، وأن كثيراً من أبنائها انحازوا إلى قيم الديمقراطية ورفضوا توظيف الدين لخدمة السلطة.
لذلك فإن النقد هنا لا يستهدف التصوف السوداني بوصفه مكوناً روحياً وثقافياً أصيلاً في المجتمع، وإنما يتناول مواقف بعض القيادات التي اختارت الارتباط بمراكز القوة السياسية والعسكرية، الأمر الذي أضعف دورها الأخلاقي وأثار تساؤلات حول حدود العلاقة بين الدين والسلطة.
لقد تغير السودان كثيراً خلال العقود الأخيرة، وتغيرت معه معايير القبول السياسي. فالأجيال الجديدة لم تعد ترى في تأييد شيخ أو زعيم طائفة مصدراً كافياً لمنح أي نظام القبول الشعبي. فالشرعية في الدولة الحديثة تُبنى على الإرادة الحرة للمواطنين، وعلى المؤسسات المنتخبة، واحترام الحقوق والحريات، وسيادة القانون.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام بعض القيادات الدينية والصوفية اليوم: هل ستراجع تجربة العقود الماضية وتنحاز بوضوح إلى قيم المواطنة والديمقراطية والعدالة، أم ستواصل نمط العلاقة التقليدية مع السلطة مهما كانت طبيعتها؟
إن التاريخ لا يتذكر فقط من اقترب من الحاكم، بل يتذكر أيضاً من وقف إلى جانب الناس عندما كانت الحرية مهددة، والعدالة غائبة، والوطن في أمسّ الحاجة إلى المواقف الشجاعة.




