رأي

​فاتورة “التعليم المجاني”:(1) متى يُحاسب المتاجرون بوطنٍ لا يشبع؟

حسن النعمان

 

حسن النعمان 

​منذ عام 1956، دفع السودان فاتورة تعليمكم من دمه، ومن عرق كادحيه، ومن قوت أطفاله الذين ناموا جياعاً ليجلس “النخبة” على مقاعد الدراسة. لقد كان تعليماً مجانياً، لكنه كلف السودان مستقبله كاملاً بلا نقصان.

​فيما تبني شعوب الأرض—بمختلف أديانها، أو حتى من لا دين لهم—أوطانها بإيمان أخلاقي وحضاري، وتضع بصمات التنمية والرفعة والسيادة، شذّ “متعلمو” السودان عن هذه القاعدة الإنسانية. لقد تخرجتم بمراتب الدكتوراه والبروفيسورات، لكن شهاداتكم لم تكن سوى أوراقٍ لتعليب التنظير، وتبرير التجهيل، وتكريس الأنانية.

​إرثٌ من الخراب

​لم تُضيفوا لبنةً واحدة لصرح الوطن. الطرق، الكباري، المستشفيات، والمؤسسات؛ كلها ظلت شاهدة على زمنٍ مضى، بينما انشغلتم أنتم بتحويل التعليم إلى “أداة إقصاء”. لقد بنيتم جامعاتٍ صورية لتفصلوا أبناء الأقاليم عن فرص التقدم، وأنشأتم مستشفيات خاصة لتستنزفوا جيوب الفقراء، تاركين الأقاليم نهباً للأوبئة والدرن، ناكرين فضل الأرض التي أطعمتكم حين كان الجوع ينهش أجساد الآخرين.

​المحاصصة.. مقصلة الدولة

​لقد قطّعتم جسد الدولة إرباً إرباً؛ المالية للجعلية، والداخلية للشايقية، والجيش رهينة للمحاصصات العرقية والجهوية. أدخلتم البلاد في “مخلاة” أطماعكم، تقاسمتم الثروة والسلطة، وأقصيتم كل من لا يدور في فلككم، حتى صارت الدولة اليوم كبيتٍ جرفته السيول من تحت أساساته؛ لا هو قادر على البقاء، ولا أهله قادرون على النجاة.

​إلى الجيل الذي دفع الثمن

​لقد فقدتم البوصلة، واختلطت في عقولكم الفضيلة بالرذيلة، والحق بالباطل. لقد كفر بكم الجيل الحالي؛ جيل دفع ثمن تعليمه بعرقه، وعرف قيمة المعروف، فعرف حقارة من غدروا بالوطن.

​يا من تعلمتم دون جهد، فظننتم أن الوطن ميراث أب عن جد:

إن التاريخ لا يرحم، والأجيال التي دفعتموها إلى الجحيم بجهلكم وتدجيلكم لن تصمت. إن الحقد الذي يملأ قلوبكم اليوم هو ناركم التي ستلتهمكم قبل أن يطالكم عقاب الله. لقد شبعتم حد التخمة من خيرات السودان، وكان جزاؤه منكم “العقوق”.

​فهل من صحوة؟ أم أن الشياطين لا تعرف سوى الغدر؟

إن الوطن باقٍ، وأنتم—بكل ألقابكم العلمية الفارغة—تندثرون في مزبلة التاريخ، بينما يظل عاركم يلاحق أجيالكم التي لم تفقه يوماً معنى “الوطن” خارج حدود مصالحها الضيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!