
الصادق آدم المأمون (كجيرة )
يمتلك المجتمع السوداني إرثًا غنيًا من الأدب الشعبي يتجلى في الأمثال والأغاني والشعر والحكايات المتداولة بين الأجيال. غير أن هذا الإرث، رغم ما يحمله من قيم إيجابية وإنسانية، يتضمن أحيانًا بعض المضامين السالبة المرتبطة بالنوع أو الجهة أو اللون أو العرق، وهي مضامين ظلت لفترات طويلة ضمن ما يُعرف اصطلاحًا بـ”المسكوت عنه”.
كما انتشرت في بعض البيئات الاجتماعية مقولات ومفاهيم تستند إلى تصورات تاريخية أو اجتماعية غير دقيقة، مثل مصطلح “ود البلد” السائد في أجزاء من شمال السودان، أو بعض الأوصاف المتداولة في مناطق من كردفان وغيرها، إضافة إلى مصطلحات مثل “الجلابة” التي استخدمت في سياقات متعددة واكتسبت دلالات سياسية واجتماعية متباينة.
وفي أحيان كثيرة كان خطاب الاستعلاء الاجتماعي يُقدَّم في قالب فكاهي أو ساخر، كما ظهر بوضوح خلال حقبة التسعينيات، حيث اتسم جزء من الإنتاج الفكاهي والإعلامي بتوظيف الصور النمطية والتصنيفات الاجتماعية والإثنية، الأمر الذي ساهم في ترسيخ بعض الأحكام المسبقة داخل الوعي الجمعي.
ومع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، برز خطاب الكراهية بصورة أكثر وضوحًا وحدةً، مدفوعًا بخطابات التعبئة السياسية والاستقطاب الحاد. وتحول كثير من المضامين التي كانت تُتداول في نطاق ضيق إلى خطابات علنية تتصدر منصات الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، مصحوبة بمفردات ومصطلحات جديدة تحمل دلالات إقصائية وتمييزية، مثل “عربان الشتات” و”أولاد الضيف” و”أم كعوك” وغيرها من الأوصاف التي عمقت الانقسامات الاجتماعية وأضعفت قيم التعايش المشترك.
وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تسريع انتشار هذه الخطابات، إذ تحولت في كثير من الأحيان من أدوات للتواصل وتقريب المسافات إلى منصات للاستقطاب ونشر الكراهية وتبادل الإساءات. وبدلًا من أن تسهم في ترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف، ساعدت بعض محتوياتها في رسم صورة قاتمة لأدب الاختلاف وإدارة التنوع داخل المجتمع السوداني.
غير أن المفارقة اللافتة تتمثل في أن المجتمع السوداني من أكثر المجتمعات تداخلًا من الناحية الاجتماعية والثقافية؛ إذ يصعب العثور على مجموعة سكانية أو قبيلة لم تتأثر بعمليات التزاوج والتصاهر والتفاعل المستمر مع المجموعات الأخرى. كما أن الوجدان السوداني المشترك تشكل عبر مساهمات أجيال من المبدعين والفنانين الذين لم تعنهم دعاوى النقاء العرقي أو الإثني، بل استلهموا أعمالهم من تنوع السودان الثقافي واللغوي والاجتماعي.
لقد كان هذا التنوع مصدرًا لثراء التجربة السودانية، وأحد أهم أسباب تميز الأدب والفن والغناء في البلاد. ومن ثم فإن مواجهة خطاب الكراهية لا تقتصر على إدانة مظاهره الحالية فحسب، بل تتطلب أيضًا إعادة الاعتبار لقيم المواطنة والتنوع والتعايش المشترك، بوصفها الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه دولة سودانية مستقرة ومتماسكة في المستقبل.




