رأي

التطبيع المؤجل: السودان بين الأيديولوجيا والمصلحة الوطنية

بروفيسور ناصر ساتي 

 

بروفيسور ناصر ساتي 

يُعد ملف العلاقات السودانية الإسرائيلية واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في التاريخ السياسي السوداني الحديث. وليس مردّ ذلك إلى طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدها، بل إلى ما يكشفه هذا الملف من أزمة أعمق ظلت تحكم الدولة السودانية منذ الاستقلال، وهي أزمة العلاقة بين الأيديولوجيا والمصلحة الوطنية، وبين الانتماءات العابرة للحدود ومتطلبات بناء الدولة الحديثة.

فعلى امتداد العقود الماضية، لم تكن السياسة الخارجية السودانية تُصاغ دائماً وفق حسابات المصالح الوطنية المباشرة، وإنما تأثرت بدرجات متفاوتة باعتبارات أيديولوجية وثقافية وهوياتية دفعت السودان إلى تبني مواقف لم تترجم في كثير من الأحيان إلى مكاسب استراتيجية حقيقية للدولة أو المواطن.

ومن هنا فإن فهم قضية التطبيع مع إسرائيل لا يكتمل دون العودة إلى الجذور الفكرية والسياسية التي أسست للموقف السوداني التقليدي تجاه إسرائيل، وكيف تشكل هذا الموقف، ولماذا استمر، ثم لماذا تعثر التحول عنه رغم المتغيرات الإقليمية والدولية الهائلة.

لقد ورث السودان بعد الاستقلال دولة حديثة لم تكتمل عملية بنائها الوطني. وكان من المفترض أن ينصرف الجهد السياسي إلى صياغة مشروع وطني سوداني مستقل يعبر عن واقع البلاد الثقافي والإثني والحضاري المتعدد. غير أن النخب السياسية التي تولت قيادة الدولة اختارت، بدرجات متفاوتة، ربط السودان بالمشروع القومي العربي السائد آنذاك، وأصبح الانتماء العربي جزءاً من التعريف الرسمي للدولة أكثر من كونه أحد مكونات الشخصية السودانية المتعددة.

وفي هذا السياق، تبنى السودان الموقف العربي الرافض لإسرائيل، وبلغ ذلك ذروته عندما استضافت الخرطوم القمة العربية عام 1967 التي خرجت بما عُرف تاريخياً بـ”اللاءات الثلاث”: لا صلح، لا اعتراف، ولا تفاوض مع إسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط اسم الخرطوم بأحد أكثر المواقف تشدداً في الصراع العربي الإسرائيلي، وأصبح السودان جزءاً من معادلة إقليمية أكبر من حجمه وإمكاناته ومصالحه المباشرة.

غير أن السؤال الذي لم يُطرح بالقدر الكافي هو: ماذا جنى السودان من هذا التموضع الاستراتيجي؟

لقد خاض السودان معارك سياسية ليست معاركه، وتحمل أعباء صراعات ليست صراعاته المباشرة، ودفع أثماناً اقتصادية وأمنية ودبلوماسية باهظة. وفي المقابل لم يحصل على ما يعادل تلك التضحيات من دعم اقتصادي أو تنموي أو استراتيجي يمكن أن يبرر حجم الكلفة التي تحملها.

بل إن السودان وجد نفسه مع مرور الزمن معزولاً عن جزء مهم من محيطه الأفريقي، في الوقت الذي نجحت فيه إسرائيل في بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية داخل القارة الأفريقية، الأمر الذي جعل الخرطوم تخسر مساحات من الحركة والتأثير كانت في أمسّ الحاجة إليها.

ومع سقوط نظام عمر البشير عام 2019، بدا أن السودان يقف أمام فرصة لإعادة النظر في كثير من ثوابته السياسية والدبلوماسية. وفي هذا السياق ظهر ملف التطبيع مع إسرائيل بوصفه أحد المسارات الممكنة لإعادة دمج السودان في النظام الدولي، وتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وإنهاء جزء من العزلة التي لازمته لعقود طويلة.

وجاء الإعلان عن الانضمام إلى اتفاقات أبراهام عام 2020 باعتباره تحولاً تاريخياً في السياسة الخارجية السودانية. غير أن هذا التحول ظل ناقصاً ومحدوداً، ولم يتطور إلى علاقات دبلوماسية كاملة أو شراكات استراتيجية مستقرة، وبقي الملف معلقاً بين الإعلان السياسي والتنفيذ العملي.

ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب المعقدة.

أول هذه الأسباب يتعلق بأزمة الهوية التي لم تُحسم داخل الدولة السودانية منذ الاستقلال. فالموقف من إسرائيل لم يكن مجرد موقف سياسي، بل أصبح جزءاً من سردية أيديولوجية كاملة ارتبطت بتعريف الدولة لنفسها ولموقعها في العالم. ولذلك فإن الانتقال من حالة العداء إلى حالة العلاقات الطبيعية كان يتطلب مراجعة فكرية أعمق من مجرد توقيع اتفاق سياسي.

أما السبب الثاني فيتعلق بالمجتمع السوداني نفسه، الذي تأثر لعقود طويلة بخطابات قومية وعاطفية ربطت بين الهوية الوطنية والعداء لإسرائيل، حتى أصبح من الصعب فصل النقاش السياسي عن الموروثات الثقافية والنفسية المتراكمة عبر الأجيال.

ويتمثل السبب الثالث في موقف الأحزاب السياسية التي تعاملت مع القضية بدرجة كبيرة من الازدواجية. فبينما ظلت بعض القيادات السياسية منفتحة على الحوار والاتصال غير المعلن مع إسرائيل، فإنها تجنبت تبني موقف واضح أمام الرأي العام خوفاً من الخسائر السياسية أو الاتهام بالتخلي عن المواقف التقليدية.

وهكذا بقي ملف التطبيع أسير الحسابات الحزبية والأيديولوجية، أكثر من كونه موضوعاً للنقاش الوطني العقلاني القائم على تقييم المصالح والمخاطر والفرص.

لكن بعيداً عن الجدل الأيديولوجي، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه هو: ما هي المصلحة الوطنية السودانية؟

فالدول الناجحة لا تبني سياساتها الخارجية على أساس العواطف أو الشعارات أو الإرث التاريخي وحده، وإنما تبنيها على أساس ما تحققه من أمن واستقرار وتنمية ورفاه لمواطنيها.

ومن هذا المنطلق، يرى أنصار التطبيع أن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل يمكن أن تفتح أمام السودان مجالات واسعة للتعاون في قطاعات الزراعة الحديثة، وإدارة الموارد المائية، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والاستثمار، والتدريب، فضلاً عن تحسين فرص الاندماج في الاقتصاد العالمي واستقطاب رؤوس الأموال والشراكات الدولية.

كما أن إنهاء حالة العداء التاريخي قد يمنح السودان مساحة أوسع للمناورة السياسية والدبلوماسية، ويحرره من أعباء اصطفافات قديمة لم تعد تعكس التحولات الجارية في الإقليم والعالم.

غير أن التطبيع في حد ذاته ليس هدفاً، كما أن العداء في حد ذاته ليس سياسة. فالعلاقات الدولية ليست مسابقة أخلاقية، وإنما هي إدارة مستمرة للمصالح الوطنية وفق موازين القوة والفرص المتاحة.

ولهذا فإن القضية الجوهرية لا تتعلق بإسرائيل وحدها، بل تتعلق بطريقة تفكير الدولة السودانية نفسها. هل تستمر في إدارة علاقاتها الخارجية بعقلية أيديولوجية موروثة من القرن الماضي؟ أم تنتقل إلى عقلية براغماتية حديثة تضع مصالح السودان أولاً؟

إن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية والموقع الجغرافي ما يؤهله ليكون إحدى القوى المؤثرة في أفريقيا والشرق الأوسط. لكنه ظل لعقود طويلة عاجزاً عن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة حقيقية بسبب غياب الرؤية الوطنية الجامعة، وهيمنة الأيديولوجيات على صناعة القرار.

لقد آن الأوان لأن يخوض السودانيون نقاشاً صريحاً وشجاعاً حول مفهوم المصلحة الوطنية، بعيداً عن الشعارات والعواطف والاستقطابات القديمة. فالمستقبل لا تصنعه المواقف الموروثة، وإنما تصنعه القدرة على قراءة الواقع كما هو، واتخاذ القرارات التي تخدم الدولة ومواطنيها.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس: هل نطبع أم لا نطبع؟

بل: كيف نبني سياسة خارجية مستقلة، واقعية، ومتوازنة، تجعل السودان أولاً وأخيراً هو المستفيد الأكبر من كل تحالف وعلاقة وموقف؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي تأخر كثيراً، وحان وقت الإجابة عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!