رأي

السودان ومتاهة الدولة : حين غاب الوطن جاءت الحروب !!!!!

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة 

ليست المأساة أن تختلف الشعوب، بل أن تُدار اختلافاتها بعقل الهيمنة لا بعقل الوطن

من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة التاريخ السوداني النظر إلى الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية بوصفها أصل الأزمة الوطنية. فهذه الأحداث، على فداحتها، ليست سوى المظاهر الأكثر صخباً لأزمة أعمق وأقدم. إن الانقلاب ليس بداية المرض، والحرب ليست منشأ العطب، بل كلاهما نتيجة لمسار طويل من الفشل في بناء مشروع وطني جامع تتوافق عليه الشعوب السودانية المختلفة وتجد نفسها ممثلة فيه على قدم المساواة.

منذ الاستقلال، ظل السودان يبحث عن الدولة التي لم تُولد بعد. حصل السودانيون على علم ونشيد وحدود وسيادة، لكنهم لم ينجحوا في إنتاج إجابة جماعية عن السؤال الأكثر أهمية: ما هو السودان الذي نريد؟ ومن هم السودانيون الذين يشكلون هذا الوطن؟

بدلاً من أن يتحول الاستقلال إلى لحظة تأسيس كبرى لعقد اجتماعي جديد، جرى التعامل مع الدولة وكأنها إرث جاهز انتقل من المستعمر إلى النخبة الحاكمة. تغيرت الأسماء والوجوه، لكن بنية السلطة بقيت كما هي؛ مركز يحتكر القرار، وأطراف تُستدعى عند الحاجة وتُستبعد عند اقتسام السلطة والثروة.

كانت المشكلة الجوهرية أن النخب التي ورثت الدولة لم تنظر إلى السودان بوصفه فضاءً متعدد الشعوب والثقافات والتجارب التاريخية، بل نظرت إليه من نافذة مركزية ضيقة اختزلت الوطن في جزء منه، وقدمت ثقافة بعينها باعتبارها النموذج المعياري الذي يجب أن تتشكل البلاد على صورته.

وهنا بدأت الأزمة الحقيقية.

فالدولة التي يفترض أن تكون مظلة للجميع تحولت تدريجياً إلى أداة لإعادة إنتاج الامتيازات التاريخية. وأصبحت المؤسسات العامة، بدلاً من أن تكون جسوراً للوحدة الوطنية، وسائل لترسيخ اختلالات القوة بين المركز والهامش. ومع مرور الزمن تراكم الشعور بالغبن والتهميش، ليس لأن بعض المناطق كانت فقيرة فحسب، بل لأنها شعرت أن الدولة نفسها لا تراها ولا تسمعها ولا تعترف بها شريكاً كاملاً في الوطن.

لقد جرى تفسير الصراعات السودانية لعقود طويلة باعتبارها نزاعات قبلية أو إثنية أو جهوية. غير أن هذا التفسير، رغم احتوائه على جزء من الحقيقة، يبقى قاصراً عن تفسير جوهر الظاهرة. فالقبيلة لم تخلق الأزمة، والجهة لم تخترع الحرب، والاختلاف الثقافي لم يكن سبباً كافياً للدمار. الذي صنع الأزمة هو غياب الإطار الوطني العادل القادر على إدارة هذه الاختلافات وتحويلها إلى مصدر قوة بدلاً من أن تصبح وقوداً للصراع.

فالتنوع لا يقتل الأوطان. العكس هو الصحيح. إن أكثر الدول استقراراً في العالم هي تلك التي نجحت في تحويل تعددها إلى رصيد وطني مشترك. أما السودان، فقد وقع في المأزق المعاكس؛ إذ جرى التعامل مع التنوع باعتباره مشكلة تحتاج إلى الاحتواء أو التذويب أو الهيمنة، لا باعتباره حقيقة ينبغي الاعتراف بها والبناء عليها.

ولعل أخطر ما حدث أن أزمة الهوية لم تبقَ في حدود الجدل الثقافي أو الفكري، بل تحولت إلى بنية سياسية كاملة. فأصبح توزيع السلطة والثروة والفرص يتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بموازين القوة التاريخية التي أنتجتها الدولة المركزية. وهكذا لم يعد سؤال الهوية مجرد سؤال ثقافي، بل أصبح سؤالاً متعلقاً بالعدالة والحقوق والمواطنة والمشاركة في صنع المستقبل.

ومن هنا نفهم لماذا لم تنجح الحكومات المتعاقبة في إخماد جذور النزاعات رغم كثرة الاتفاقيات والمؤتمرات والمبادرات. فالسلام لا يصنعه توقيع الوثائق وحده، وإنما يصنعه الشعور العام بالإنصاف. وحين يغيب الإنصاف، تتحول الاتفاقيات إلى هدن مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنعه.

إن جوهر المعضلة السودانية يكمن في أن الدولة ظلت، في كثير من مراحل تاريخها، مشروعاً للنخب أكثر من كونها مشروعاً للشعوب. وكانت السلطة تُدار بعقلية الوصاية لا بعقلية الشراكة. ولذلك ظلت كل مجموعة تصل إلى الحكم تتصرف وكأنها المالك الشرعي الوحيد للدولة، فيما يُطلب من الآخرين الانضمام إلى مشروعها أو الخضوع له.

هذه العقلية أنتجت دائرة مغلقة من الاستبداد والصراع. فكل سلطة جديدة كانت تعد بتأسيس وطن مختلف، لكنها ما تلبث أن تعيد إنتاج الأدوات القديمة نفسها: المركزية، والإقصاء، واحتكار القرار، والخوف من التعدد.

ولذلك فإن الأزمة السودانية ليست أزمة موارد كما يعتقد البعض، وليست أزمة تنمية فقط، وليست أزمة سلطة بمعناها التقليدي. إنها في جوهرها أزمة فكرة؛ أزمة غياب تصور وطني متفق عليه للدولة وللعلاقة بين مكوناتها المختلفة.

فالدول لا تقوم على الجغرافيا وحدها، ولا تحميها الجيوش وحدها، ولا تبنيها الحكومات وحدها. الدول الكبرى تقوم على فكرة جامعة يشعر الناس أنها تمثلهم جميعاً. وحين تغيب هذه الفكرة يتحول الوطن إلى ساحة تنافس مفتوح بين المشاريع المتصارعة، وتصبح السياسة امتداداً للحرب بوسائل أخرى.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب، بل في الإجابة عن السؤال الذي ظل مؤجلاً منذ الاستقلال: كيف نبني دولة لا يشعر فيها أحد بأنه ضيف على وطنه؟ كيف نبني نظاماً سياسياً لا يحتاج المواطن فيه إلى قبيلته أو جهته أو جماعته للحصول على حقوقه؟ وكيف نحول التنوع السوداني من مصدر للريبة المتبادلة إلى أساس للثقة الوطنية المشتركة؟

لن يتحقق ذلك عبر الشعارات، ولا عبر إعادة تدوير النخب القديمة، ولا عبر حلول أمنية مؤقتة. إن الطريق يبدأ بالاعتراف الصريح بأن السودان ليس ملكاً لتاريخ واحد ولا ثقافة واحدة ولا مركز واحد. إنه وطن متعدد في جذوره، متعدد في ذاكرته، ومتعدد في تطلعات شعوبه.

وعندما يُبنى هذا الاعتراف على عقد اجتماعي جديد يؤسس للمواطنة المتساوية والعدالة السياسية والاقتصادية والثقافية، يصبح ممكناً الحديث عن مشروع وطني حقيقي.

أما ما دون ذلك، فليس سوى إدارة للأزمة وتأجيل لموعد انفجارها القادم.

إن السودان لا يحتاج إلى دولة أقوى فحسب، بل يحتاج إلى دولة أعدل. ولا يحتاج إلى سلطة جديدة فقط، بل إلى فكرة جديدة للوطن نفسه. فالحروب التي نراها ليست سوى ظلال لأزمة أعمق، وأصل المأساة ليس صوت البنادق، بل غياب المشروع الوطني الذي يجعل الجميع يرون أنفسهم في مرآة وطن واحد.

وحين يولد هذا المشروع، لن تكون نهاية الحرب هي أعظم إنجازاته، بل ستكون بداية ولادة السودان الذي انتظره أبناؤه طويلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!