رأي

ولاية الجزيرة من سلة غذاء السودان الى سلة غذاء الكيزان

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

لم تكن ولاية الجزيرة مجرد ولاية عادية في تاريخ السودان. كانت قلب الإنتاج النابض، وعنواناً للخير والعطاء، وأحد أكبر المشاريع الزراعية التي عرفتها القارة الأفريقية. كانت الجزيرة رمزاً لقدرة السودانيين على إطعام أنفسهم وتصدير الفائض للعالم. لكن اليوم، وبعد سنوات من العبث والفساد والحرب، تحولت هذه الولاية العظيمة إلى نموذج مؤلم لكيفية تدمير الأوطان على أيدي الإسلامويين الذين لم يكتفوا بإشعال الحروب، بل جعلوا من معاناة المواطنين مصدراً دائماً للثراء والنهب.

في الجزيرة اليوم، لا يشعر المواطن أنه يعيش داخل ولاية زراعية غنية، بل داخل شبكة ضخمة من الجبايات والرسوم التي تطارده في كل خطوة. يستيقظ صباحاً مثقلاً بالهموم، لا يفكر في تحسين حياته أو تطوير عمله، بل يفكر فقط في كيفية النجاة من قائمة طويلة من الرسوم التي لا تنتهي.

رسوم المدارس ترتفع بلا سقف. رسوم الخدمات تتضاعف بلا مبرر. رسوم المياه والكهرباء تتزايد بينما الخدمات نفسها تتدهور. الضرائب تلاحق الجميع. الجبايات تتكاثر كالأعشاب السامة. أما الزكاة، التي يفترض أن تكون أداة للتكافل الاجتماعي، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة أخرى لابتزاز المواطن المنهك.

والمحصلة النهائية واحدة: المواطن يدفع أكثر، ويحصل على أقل.

يدفع للكهرباء ثم يجلس بالساعات في الظلام.

يدفع للمياه ثم ينتظر وصولها بالأيام.

يدفع للتعليم ثم يفاجأ برسوم جديدة في كل فصل دراسي.

يدفع للدولة ثم يكتشف أن الدولة غائبة عندما يحتاج إليها.

هذه ليست إدارة فاشلة فقط، بل منظومة كاملة تقوم على استنزاف المواطن حتى آخر جنيه في جيبه.

لقد عاد الإسلامويون إلى المشهد بالطريقة التي يجيدونها دائماً؛ السيطرة على المؤسسات، التغلغل داخل الإدارات، إعادة إنتاج شبكات المصالح القديمة، وتحويل المرافق العامة إلى أدوات للتحصيل والجباية. فبينما كان المواطن يحلم بعد ثورة ديسمبر بدولة تخدم الناس وتحترم حقوقهم، كانت شبكات الكيزان تعمل بصمت لإعادة بناء نفوذها داخل أجهزة الدولة ومراكز اتخاذ القرار.

ولأن الحرب وفرت غطاءً مثالياً للفوضى وانعدام المحاسبة، وجد هؤلاء فرصتهم الذهبية.

في زمن الحرب يختفي التدقيق.

في زمن الحرب تتراجع الرقابة.

في زمن الحرب يسهل تمرير الفساد تحت لافتات الأمن والطوارئ والأزمات.

وهذا بالضبط ما حدث.

تحولت معاناة المواطنين إلى سوق مفتوحة للاستغلال. وتحولت المؤسسات إلى ما يشبه نقاط الجباية المتنقلة. وأصبح المواطن هو الممول الوحيد لمنظومة لا تقدم له شيئاً سوى المزيد من الضغوط والإذلال.

والأمر لا يقف عند حدود الجبايات الرسمية. فالكثير من المواطنين يتحدثون عن واقع آخر أكثر قسوة: الرشوة التي أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. معاملة متوقفة؟ ادفع. ورقة رسمية؟ ادفع. خدمة عامة؟ ادفع. وكأن القانون الحقيقي الذي يحكم الحياة لم يعد اللوائح أو الأنظمة، بل مقدار ما يستطيع المواطن دفعه.

وفي المقابل، أين التنمية؟

أين مشاريع الري؟

أين تأهيل البنية التحتية؟

أين دعم المزارعين؟

أين تحسين المدارس؟

أين تطوير المستشفيات؟

أين الأموال التي يتم تحصيلها كل يوم من المواطنين؟

أسئلة تتكرر في المجالس والأسواق والشوارع، لكنها لا تجد إجابات.

الجزيرة التي كانت تنتج الغذاء أصبحت تنتج الأزمات.

الجزيرة التي كانت مصدر الأمل أصبحت مصدراً للشكوى.

الجزيرة التي كانت تضخ الخير إلى السودان كله أصبحت تنزف تحت وطأة الفساد والجباية وسوء الإدارة.

لكن الأخطر من كل ذلك هو حالة الصمت التي بدأت تتسع بين الناس.

صمت ليس سببه الرضا، بل الإنهاك.

صمت ناتج عن الإحباط.

صمت سببه شعور كثيرين بأن أصواتهم لم تعد مسموعة.

لقد أنهكت الحرب المواطنين اقتصادياً ونفسياً. دمرت مصادر الدخل. أغلقت فرص العمل. رفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. وجعلت آلاف الأسر عاجزة عن تلبية أبسط احتياجاتها. وفي وسط هذا الخراب، جاءت جيوش الجبايات لتكمل ما بدأته الحرب.

المواطن الذي فقد وظيفته مطلوب منه أن يدفع.

والمزارع الذي خسر محصوله مطلوب منه أن يدفع.

والمعلم الذي تآكل راتبه مطلوب منه أن يدفع.

والعامل البسيط الذي يكافح لإطعام أسرته مطلوب منه أن يدفع.

الجميع يدفع، إلا الفاسدين الذين صنعوا هذا الواقع.

إن ما يحدث في الجزيرة اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل جريمة سياسية وأخلاقية بحق مجتمع كامل. جريمة تُرتكب باسم الإدارة والخدمات والتنظيم، بينما حقيقتها هي نقل ما تبقى في جيوب المواطنين إلى شبكات المصالح التي عاشت لعقود على استغلال الدولة ومواردها.

لقد أثبتت التجربة السودانية مراراً أن الإسلامويين عندما يفشلون في كسب ثقة الناس، يعودون للسيطرة عبر المؤسسات والموارد والاقتصاد. وحين يخسرون السياسة، يحاولون تعويض ذلك بالهيمنة على حياة المواطنين اليومية.

لكن التاريخ أيضاً أثبت حقيقة أخرى.

أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسي.

وأن الظلم مهما طال عمره لا يتحول إلى حق.

وأن الذين حولوا ولاية الجزيرة من سلة غذاء السودان إلى سلة جبايات لن يستطيعوا الهروب من سؤال المسؤولية مهما حاولوا الاختباء خلف الشعارات والخطب واللافتات.

فالجزيرة تستحق أن تعود كما كانت: أرضاً للإنتاج لا للنهب، وموطناً للكرامة لا للإذلال، ورمزاً للعطاء لا نموذجاً للاستغلال.

أما المواطن الذي ظل صامتاً كل هذه السنوات، فإنه لا يحتاج إلى مزيد من الخطب والوعود، بل يحتاج إلى دولة تحترم إنسانيته، وتحمي رزقه، وتوقف هذا النزيف المستمر الذي يلتهم حياته ومستقبل أبنائه يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!