
د. دقاش حسب الله دقاش
في أيام عيد الأضحى المبارك، وبينما كانت الأضاحي تُذبح في البيوت، كانت لطلاب كردفان ودارفور أضحية من نوع آخر؛ أضحية عنوانها الإصرار على الحياة والانتصار للعلم. فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب والتشريد والخوف، دوّى صباح الأحد السابع من يونيو 2026 جرس المدرسة من جديد، ليعلن أن الأمل ما زال حياً، وأن السودان لم يفقد قدرته على النهوض رغم كل ما مر به.
من قاعات الامتحانات في كردفان ودارفور جاءت الصورة الأجمل والأكثر إشراقاً في هذا الزمن الصعب؛ آلاف الطلاب والطالبات جلسوا لأداء امتحانات الشهادة السودانية، يحملون أقلامهم في مواجهة واقع فرضته الحرب، ويكتبون بإرادتهم الصلبة فصلاً جديداً من فصول الصمود الوطني.
لقد أدرك هؤلاء الطلاب حقيقة عميقة مفادها أن البندقية قد تغلق طريقاً لكنها لا تستطيع أن تغلق العقل، وأن الحرب قد تهدم المباني لكنها تعجز عن هدم الإرادة، وأن التشريد قد يسلب الإنسان منزله لكنه لا يسلبه حقه في الحلم والمعرفة. لذلك جلسوا إلى مقاعد الامتحان وهم يحملون إيماناً راسخاً بأن مستقبل السودان يُصنع في المدارس قبل أي مكان آخر
إن المشهد الذي شهدته مناطق كردفان ودارفور لم يكن مجرد انعقاد امتحانات دراسية، بل كان إعلاناً واضحاً بأن معركة السودان الحقيقية هي معركة وعي وتنمية وبناء إنسان. فالدول لا تنهض بالسلاح وحده، وإنما تنهض بالعلم والمعرفة، وبقدرتها على الاستثمار في عقول أبنائها وبناتها.
وقد حمل هؤلاء الطلاب رسالة بليغة إلى كل السودانيين مفادها أن التعليم سيظل أقوى من الحرب، وأن الأمل سيظل أقوى من الخوف، وأن المستقبل لا يصنعه اليأس بل تصنعه الإرادة والعمل والإيمان بالعلم. لقد أثبتوا أن السلام يبدأ من المدرسة، وأن الطريق إلى الاستقرار والتنمية يمر عبر الفصول الدراسية وقاعات الامتحانات.
ومن هنا فإن التحية الأولى تذهب إلى الطلاب والطالبات الذين تمسكوا بحقهم في التعليم رغم الظروف الاستثنائية، وإلى الأسر التي صبرت وتحملت أعباء الحرب وهي تحافظ على حلم أبنائها في مواصلة الدراسة، وإلى الأمهات والآباء الذين ظلوا يؤمنون بأن التعليم هو الثروة الحقيقية التي لا يمكن أن تضيع.
كما تتجه التحية والتقدير إلى المعلمين والمعلمات الذين واصلوا أداء رسالتهم النبيلة بإخلاص وتفانٍ، ورفضوا الاستسلام لظروف الحرب، مؤمنين بأن رسالتهم تتجاوز حدود الوظيفة لتصبح مسؤولية وطنية تجاه الأجيال القادمة.
ولا يفوتنا أن نعبر عن التقدير للجهود التي بذلتها حكومة تأسيس ووزارة التربية والتعليم واللجان الفنية والإدارية والأجهزة المختصة لإنجاح قيام امتحانات الشهادة السودانية، في خطوة أكدت أن الدولة الحقيقية تُقاس بقدرتها على حماية التعليم وضمان استمراره في مختلف الظروف.
إن جلوس هؤلاء الطلاب للامتحانات ليس حدثاً عادياً، بل هو انتصار وطني كامل المعنى. انتصار للقلم على البندقية، وللعلم على الجهل، وللأمل على الخوف. ومن كردفان ودارفور ارتفعت اليوم رسالة واضحة إلى السودان والعالم: الأوطان تُبنى بالعقول، والمستقبل يكتبه الذين يحملون الأقلام لا الذين يحملون السلاح.




