رأي

صمود أم سقوط في امتحان المواقف؟

حسن النعمان

 

حسن النعمان

لم يكن الجدل الذي أثارته مواقف بعض القوى السياسية المنضوية تحت لافتة “صمود” حدثاً عابراً في المشهد السوداني، بل كشف عن أزمة عميقة تتعلق بطبيعة الرؤية السياسية ومستقبل المشروع الوطني الذي يتطلع إليه السودانيون بعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة.

ففي الوقت الذي قدم فيه آلاف السودانيين التضحيات الجسام دفاعاً عن تطلعاتهم نحو بناء دولة جديدة قائمة على الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية، اختارت بعض القوى السياسية أن تراهن على مسارات يراها كثيرون بعيدة عن نبض الشارع السوداني وعن التضحيات التي صاغت وجدان الثورة والحرب معاً.

المشكلة الأساسية ليست في الاختلاف السياسي، فالاختلاف حق مشروع ومطلوب، وإنما في طبيعة الخيارات التي يتم تبنيها والجهات التي يجري التعويل عليها لصناعة مستقبل السودان. فهناك من يعتقد أن الحلول يمكن أن تأتي عبر غرف مغلقة ومبادرات خارجية وتفاهمات إقليمية ودولية، بينما يرى آخرون أن أي مشروع حقيقي لا بد أن يستند أولاً إلى إرادة السودانيين أنفسهم وإلى الوقائع الجديدة التي أفرزتها سنوات الصراع.

لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة لا تقبل بسهولة العودة إلى المربعات القديمة. فالأجيال الجديدة التي نشأت وسط التحولات الكبرى لم تعد تنظر إلى السياسة بالمعايير التقليدية، بل أصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات وتحليل الوقائع وفهم التوازنات الإقليمية والدولية. ولهذا فإن الرهان على تغييب الوعي أو تجاوز الحقائق لم يعد خياراً ممكناً.

إن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي بين مشروعين متناقضين؛ مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الأزمات القديمة بأدوات جديدة، ومشروع آخر يتطلع إلى بناء دولة مختلفة تستند إلى العدالة والاعتراف بالتنوع والشراكة الحقيقية بين مكونات البلاد المختلفة.

ومن هنا فإن تقييم أي مبادرة أو تحالف سياسي يجب أن يكون انطلاقاً من قدرته على خدمة هذا الهدف الكبير، لا من حجم الدعم الخارجي الذي يحظى به أو عدد المنابر التي يتحدث عبرها. فالمشروعية الحقيقية تُستمد من الالتصاق بقضايا الناس ومن القدرة على تقديم حلول واقعية للأزمات التي يعيشها المواطن السوداني.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الصفقات السياسية المؤقتة بقدر حاجته إلى مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة التاريخية التي أنتجت الحروب والتهميش والانقسامات. ولذلك فإن أي قوة سياسية تتجاهل هذه الحقيقة تجد نفسها عاجزة عن إقناع الشارع أو كسب ثقته مهما امتلكت من أدوات إعلامية أو دعم سياسي.

إن معركة السودان الحقيقية ليست معركة مواقع أو مناصب، بل معركة رؤى وأفكار ومستقبل. وهي معركة ستُحسم في النهاية لصالح المشروع الأكثر قدرة على التعبير عن تطلعات السودانيين في السلام والعدالة والكرامة الإنسانية.

ويبقى السؤال مطروحاً أمام الجميع: هل ستنجح القوى السياسية في الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد، أم أنها ستظل أسيرة حسابات الماضي وصراعاته؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي سيحدد من يصمد ومن يسقط في ذاكرة التاريخ.هذه النسخة أكثر قوة ورصانة من الناحية الصحفية والسياسية، وتصلح للنشر كمقال رأي دون استخدام عبارات شخصية أو أوصاف قد تُضعف حجته السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!