تقارير وتحقيقات

أدب الرحلات يعيد اكتشاف أفريقيا من بوابة تشاد

التنوير تقرير مجاهد عبدالله

 

التنوير تقرير مجاهد عبدالله 

«رحلة إلى بلاد توماي» تفتح نقاشاً سودانياً جديداً حول الكتابة عن القارة وبناء جسور المعرفة مع شعوبها

شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا أمسية ثقافية سودانية متميزة خُصصت لتدشين كتاب «رحلة إلى بلاد توماي» للدكتور عباس التجاني محمد صالح، وسط حضور نوعي من المثقفين والكتاب والمهتمين بالشأن الثقافي السوداني. ولم يكن الحدث مجرد احتفال بإصدار كتاب جديد، بل تحول إلى منصة فكرية ناقشت علاقة السودان بأفريقيا ودور الأدب في إعادة اكتشاف القارة من منظور سوداني معاصر.

ويأتي الكتاب الجديد امتداداً لمشروع بدأه المؤلف عبر كتابه الأول «سفر الروح.. حكايات أفريقية»، ليؤسس مساراً أدبياً يضع أفريقيا في قلب السرد السوداني، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى توجيه الاهتمام الثقافي نحو الفضاء الأفريقي بوصفه الامتداد الطبيعي والتاريخي للسودان.

أدب الرحلات.. فن المعرفة والاكتشاف

يُعد أدب الرحلات من أعرق الأجناس الأدبية في الثقافة الإنسانية، إذ يجمع بين السرد والتوثيق والوصف والتحليل، ويمنح القارئ فرصة للتعرف على الشعوب والثقافات من خلال تجربة مباشرة يعيشها الكاتب بنفسه.

وعلى امتداد التاريخ العربي والإسلامي، أسهم هذا الفن في تشكيل صورة واسعة عن العالم عبر أعمال كبار الرحالة مثل ابن بطوطة وابن جبير، قبل أن يتطور في العصر الحديث ليصبح أداة ثقافية ومعرفية لفهم المجتمعات والتحولات الإنسانية.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع عباس التجاني بوصفه محاولة جادة لإحياء هذا الفن من منظور سوداني، مع التركيز على القارة الأفريقية التي ظلت حاضرة في الجغرافيا السودانية أكثر من حضورها في كثير من الإنتاج الأدبي المحلي.

من إنجمينا إلى وادي أديكونك

يرصد كتاب «رحلة إلى بلاد توماي» تفاصيل رحلة ميدانية إلى تشاد، البلد الذي تربطه بالسودان علاقات تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة. تبدأ الرحلة من العاصمة إنجمينا وتمتد شرقاً نحو المناطق الحدودية مع السودان، وصولاً إلى وادي أديكونك.

ومن خلال أسلوب سردي يعتمد على الوصف الدقيق للمشاهد والأماكن والشخصيات، يقدم الكاتب صورة متعددة الأبعاد عن المجتمع التشادي، متناولاً الحياة اليومية والعادات والثقافات المحلية والعلاقات الاجتماعية، فضلاً عن رصد المشهد الحضري والتاريخي في عدد من المدن المهمة وعلى رأسها مدينة أبشي ذات المكانة التاريخية المعروفة.

ولا يكتفي الكتاب بسرد تفاصيل السفر، بل يحاول قراءة الواقع التشادي في سياقاته الاجتماعية والثقافية والإنسانية، بما يمنح القارئ فرصة لفهم أعمق لهذا البلد الذي كثيراً ما يُنظر إليه من خلال الصور النمطية أو المعرفة المحدودة.

الحرب السودانية في مرآة التجربة التشادية

من أبرز المحاور التي يتناولها الكتاب توثيق أوضاع السودانيين الذين لجأوا إلى تشاد هرباً من الحرب، خاصة النازحين القادمين من مدينة الجنينة والمناطق المتأثرة بالنزاع في دارفور.

ويعرض المؤلف شهادات إنسانية حية تعكس حجم المعاناة التي عاشها هؤلاء النازحون، كما يوثق التحديات التي واجهتهم في مخيمات اللجوء ومناطق الاستقبال المختلفة.

وتكتسب هذه الجزئية أهمية خاصة لأنها تنقل الحرب من لغة الأرقام والإحصاءات إلى مستوى التجربة الإنسانية المباشرة، حيث تصبح معاناة الأفراد والعائلات جزءاً من السرد الأدبي والتوثيق الميداني في آن واحد.

«توماي».. عنوان يحمل ذاكرة الإنسانية

يحمل عنوان الكتاب دلالات ثقافية وتاريخية عميقة تتجاوز حدود الرحلة نفسها. فكلمة «توماي» تعني في إحدى اللغات المحلية التشادية «أمل الحياة»، كما ارتبط الاسم عالمياً بالحفرية الشهيرة التي اكتُشفت شمال تشاد عام 2001، والتي تعد من أقدم الأدلة المعروفة على أسلاف البشر.

ومن خلال هذا الاختيار الرمزي للعنوان، يربط الكاتب بين الحاضر والماضي، وبين الجغرافيا الأفريقية والإرث الإنساني المشترك، مقدماً تشاد باعتبارها فضاءً حضارياً وثقافياً يمتلك مكانة مهمة في تاريخ البشرية.

نحو مشروع سوداني جديد للكتابة عن أفريقيا

أبرز ما خرجت به الأمسية الثقافية هو النقاش الواسع حول ضرورة توجيه المزيد من الاهتمام السوداني نحو أفريقيا من خلال الأدب والفنون والبحوث والدراسات التوثيقية.

وأكد المشاركون أن السودان، بحكم موقعه وتاريخه وتنوعه الثقافي، يمتلك مؤهلات كبيرة للقيام بدور معرفي وثقافي في بناء جسور التواصل مع الشعوب الأفريقية، مشيرين إلى أن الأدب يمكن أن يكون أحد أهم أدوات هذا التقارب.

وفي هذا الإطار، يبدو أن كتابي «سفر الروح» و«رحلة إلى بلاد توماي» يشكلان نواة لمشروع ثقافي واعد يسعى إلى تقديم أفريقيا للقارئ السوداني والعربي بصورة أكثر قرباً وواقعية وإنسانية.

لقد أثبتت تجربة عباس التجاني أن أدب الرحلات لا يزال قادراً على إنتاج معرفة جديدة وإثارة أسئلة مهمة حول الهوية والانتماء والعلاقات بين الشعوب. ومع استمرار هذا المشروع وتطوره، قد يجد الأدب السوداني نفسه أمام تجربة نوعية تفتح آفاقاً جديدة للكتابة عن أفريقيا، وتعيد للقارة مكانتها المستحقة في الوعي الثقافي السوداني المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!