رأي

سقطت الأكذوبة وبقيت الوثائق الرسمية

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن 

منذ اندلاع الحرب في السودان، اعتمدت المنظومة الإعلامية التابعة للحركة الإسلامية وواجهاتها السياسية على إنتاج روايات دعائية تستهدف توجيه الرأي العام وصناعة انطباعات لا تستند دائماً إلى الوقائع. ومن بين أكثر الروايات التي جرى الترويج لها خلال الأشهر الماضية الحديث المتكرر عن وجود تحركات أمريكية ودولية لحسم مسألة تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، حتى بدا الأمر لدى بعض المتابعين وكأنه قرار صدر بالفعل ولم يتبق سوى الإعلان عنه.

غير أن ما حملته الوثائق الرسمية الصادرة عن لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي كشف بوضوح حجم التباعد بين الدعاية السياسية والواقع القانوني. فمشروع القانون الذي أجيز داخل اللجنة لم يتضمن أي نص يدعو إلى تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، ولم يوصِ بإدراجها على قائمة “الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص” (SDGT)، كما ظل يردد إعلام الفلول وجماعات الهوس الديني على مدار الفترة الماضية.

الوثيقة الرسمية جاءت مختلفة تماماً عن الرواية التي جرى تسويقها. فالمشروع لم يتحدث عن تصنيف مسبق لأي طرف من أطراف الحرب، بل ألزم وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخزانة بإجراء مراجعة قانونية خلال تسعين يوماً لتقييم ما إذا كان أي من أطراف النزاع في السودان يستوفي المعايير القانونية الخاصة بالتصنيف. وهذا يعني أن المراجعة تشمل جميع الأطراف ذات الصلة بالحرب، وأن الكونغرس نفسه لم يتبنَّ حكماً مسبقاً ضد جهة بعينها.

هذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط كثير من الادعاءات التي جرى تداولها خلال الأشهر الماضية. فلو كانت الإدارة الأمريكية أو الكونغرس قد توصلا بالفعل إلى قناعة نهائية بشأن تصنيف الدعم السريع، لما احتاج المشروع إلى مراجعة قانونية جديدة، ولما نص على انتظار تقرير مفصل من وزارتي الخارجية والخزانة قبل اتخاذ أي خطوات لاحقة.

والمفارقة أن أكثر البنود إثارة للانتباه في مشروع القانون لم تكن مرتبطة بملف التصنيف الإرهابي أصلاً، وإنما تمثلت في الدعوة إلى التشكيك في شرعية تمثيل الحكومة السودانية الحالية داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية. فقد طالب المشروع الإدارة الأمريكية بالتحرك داخل أجهزة الأمم المتحدة المختصة لمراجعة استمرار التمثيل السوداني الحالي إلى حين قيام حكومة مدنية أو حكومة منتخبة ديمقراطياً، وهو تطور سياسي وقانوني مهم استحوذ على اهتمام المراقبين أكثر من أي بند آخر.

إن ما جرى خلال الأيام الماضية يعكس أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة المعلومات في الفضاء العام السوداني. فبدلاً من انتظار النصوص الرسمية والوثائق المعتمدة، اندفع بعض الإعلاميين والناشطين إلى بناء حملات كاملة على توقعات ورغبات سياسية، ثم تقديمها للجمهور باعتبارها حقائق مؤكدة. وعندما ظهرت الوثائق الرسمية، اتضح أن كثيراً مما تم الترويج له لم يكن سوى استنتاجات سياسية لا تسندها الوقائع.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن أي طرف من أطراف الحرب أو تبرئة أي جهة من المسؤولية عن الانتهاكات التي شهدها السودان، فهذه قضايا تخضع للتحقيق والتقييم القانوني والسياسي المستمر. لكن الفرق كبير بين الوقائع المثبتة وبين الدعاية السياسية، وبين النصوص الرسمية وبين الأمنيات التي يحاول البعض تحويلها إلى حقائق.

لقد أكدت وثائق الكونغرس الأمريكي بوضوح أن مسألة تصنيف أي طرف في الحرب السودانية لا تزال قيد المراجعة القانونية ولم تُحسم بعد، وأن الحديث عن وجود قرار أمريكي بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية لا يجد ما يسنده في النصوص الرسمية المعتمدة. وهكذا، مرة أخرى، تنتصر الوثائق على الشائعات، وتبقى الحقائق أقوى من حملات التضليل مهما ارتفع صوتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!