
سمية النور دهب
يقف الجيش السوداني اليوم عند واحدة من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخه الحديث، وهو يقترب من طاولة الهدنة لا باعتبارها خيارًا سياسيًا قابلًا للأخذ والرد، بل كاستحقاق فرضته الوقائع القاسية للحرب. بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من القتال، لم يعد ميزان القوة كما كان، ولم تعد لغة الحسم العسكري قادرة على إخفاء التراجع الميداني، ولا على الصمود أمام الانهيار الإنساني المتسارع.
الاجتماع المرتقب لمجلس الأمن والدفاع في بورتسودان لا يمكن قراءته كإجراء روتيني، بل كمحاولة لإدارة أزمة مركبة تتقاطع فيها خسائر الجبهة، وضغوط المجتمع الدولي، والتصدعات داخل بنية السلطة نفسها. فالهدنة المطروحة لم تعد مجرد مبادرة دبلوماسية، وإنما تحوّلت إلى اختبار مصيري: إما القبول بها بوصفها حدًا أدنى لتخفيف الكلفة، أو رفضها والمضي في طريق مفتوح على مزيد من الانكسار.
التطورات الميدانية الأخيرة كشفت هشاشة العمق الاستراتيجي للجيش. خسارة مساحات واسعة في كردفان، وسقوط مواقع ذات قيمة عسكرية واقتصادية، لم تكن مجرد نكسة عابرة، بل نقطة تحول أعادت رسم خريطة الصراع. السيطرة على الموارد الحيوية، ومحاصرة مدن كبرى، والتقدم باتجاه تخوم أم درمان، كلها مؤشرات على انتقال المعركة إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح الدفاع مكلفًا والهجوم شبه مستحيل.
هذا التراجع لم يقتصر أثره على الميدان العسكري، بل انعكس مباشرة على قدرة السلطة القائمة على إدارة الدولة. فالموارد تتآكل، وسلاسل الإمداد تضيق، والقدرة على تمويل الحرب تتراجع، في وقت تتوسع فيه رقعة السيطرة خارج يد الحكومة. ومع كل خسارة جغرافية، تتقلص أوراق الضغط السياسي، ويتحول الخطاب السيادي إلى عبء ثقيل لا يسنده الواقع.
وفي قلب هذه المعادلة القاسية، تتفاقم الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة. ملايين السودانيين باتوا عالقين بين نيران القتال وانهيار الخدمات، فيما تحاصر المدن، وتُقطع الطرق، ويصبح الغذاء والدواء أدوات صراع غير معلن. لم تعد الكارثة الإنسانية تفصيلًا هامشيًا، بل تحوّلت إلى عامل ضغط مركزي يعيد تشكيل المواقف الإقليمية والدولية، ويضع السلطة أمام مساءلة أخلاقية وسياسية متزايدة.
الانقسامات داخل مركز القرار في بورتسودان تعكس هذا المأزق بوضوح. فهناك من يرى في الهدنة تنازلًا مرفوضًا، ومن يراها المخرج الأخير لتفادي الأسوأ. غير أن ضيق هامش المناورة يجعل هذه الخلافات أقرب إلى صراع حول كيفية إدارة الخسارة، لا حول تحقيق النصر.
في هذه اللحظة، لم تعد الهدنة رفاهية سياسية، بل ضرورة تفرضها موازين القوة ومعاناة المدنيين معًا. والسؤال الحقيقي لم يعد إن كانت ستُقبل أو تُرفض، بل ما إذا كان السودان قادرًا على تحمّل كلفة استمرار حرب تجاوزت كل حدود الاحتمال، ودفعت البلاد إلى حافة انهيار شامل.




