رأي

قرار التعايشي… ميلاد الدولة

أدهم الضهيب

 

أدهم الضهيب

يمثل القرار النموذجي الذي أعلنه فخامة رئيس وزراء حكومة السلام، السيد محمد حسن التعايشي، محطة مفصلية في مسار بناء الدولة السودانية الجديدة، وخطوة عملية طال انتظارها لمعالجة التشوهات العميقة التي أصابت الخدمة المدنية ومؤسسات الجهاز التنفيذي عبر عقود طويلة من التسييس والفساد وضعف الكفاءة.

لقد ظلت الخدمة المدنية في السودان، خلال عهود الحكومات المركزية المتعاقبة، بعيدة عن رسالتها الأصلية بوصفها أداة لخدمة المواطن وتحقيق الصالح العام، وتحولت في كثير من المراحل إلى وسيلة للتمكين السياسي وتكريس النفوذ الحزبي. وبدلاً من أن تكون الوظيفة العامة قائمة على الجدارة والاستحقاق، أصبحت في أحيان كثيرة رهينة الولاء والانتماء، وهو ما أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها القدرة على القيام بأدوارها الأساسية.

هذا الواقع أفرز جهازاً إدارياً مترهلاً، تتراجع فيه المهنية، وتغيب عنه معايير التقييم والمحاسبة، كما تضاءلت فرص التدريب والتأهيل، فانخفضت كفاءة الأداء، وتباطأت الإجراءات، وتراكمت الأعباء على الدولة دون نتائج تتناسب مع حجم الموارد والإمكانات. ومع مرور الزمن، أصبح الخلل البنيوي في مؤسسات الخدمة المدنية أحد أبرز أسباب تعثر التنمية وفشل السياسات العامة.

من هنا تأتي أهمية القرار الجديد، لا بوصفه إجراءً إدارياً عابراً، وإنما باعتباره إعلاناً لمرحلة مختلفة تقوم على إعادة تأسيس الدولة وفق مبادئ حديثة، تجعل الكفاءة والنزاهة والعدالة أساساً للتوظيف والترقي، وتعيد الاعتبار لفكرة المؤسسة التي تستمر بقوة القانون لا بوجود الأفراد.

إن السودان وهو يفتح صفحة جديدة بعد سنوات الحرب والانقسام، يحتاج إلى جهاز دولة قادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين، لا سيما أولئك الذين دفعتهم النزاعات إلى النزوح والفقر وفقدان الخدمات الأساسية. ولا يمكن تحقيق الاستقرار أو إطلاق مشاريع الإعمار والتنمية دون خدمة مدنية محترفة، تملك الخبرة والانضباط وروح المسؤولية.

القرار النموذجي الذي طرحه رئيس الوزراء يحمل رسالة سياسية وإدارية في آن واحد؛ فحواها أن الدولة الجديدة لن تُبنى بالمحاصصة، ولن تُدار بعقلية الغنيمة، وإنما ستقوم على أسس العدالة وتكافؤ الفرص واحترام القانون.

إن إعادة بناء دواوين الدولة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية عاجلة، وهي وفاء مستحق لتضحيات السودانيين الذين حلموا بدولة عادلة تحفظ كرامتهم وتخدم مصالحهم دون تمييز. وإذا ما أُحسن تنفيذ هذا القرار، فإنه سيكون نقطة انطلاق حقيقية نحو سودان جديد، تتقدم فيه المؤسسات على الأفراد، والمصلحة العامة على الولاءات الضيقة، والكفاءة على كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!