رأي

أزمة قيادة الإخوان المسلمين في السودان..حين ينكشف الانهيار من الداخل 

عماد اغبش

 

عماد اغبش 

لم تعد الخلافات التي تعصف بتنظيم الإخوان المسلمين في السودان شأناً داخلياً يمكن احتواؤه خلف الأبواب المغلقة أو تغطيته بخطابات التماسك التنظيمي المعتادة، بل تحولت إلى أزمة بنيوية مكشوفة تكشف حجم التآكل الذي أصاب جسد التنظيم بعد سنوات طويلة من الصراعات المكتومة والتنافس على مراكز النفوذ والقرار.

فما يجري اليوم داخل الحركة الإسلامية يتجاوز حدود الاختلاف السياسي أو التباين الفكري، ليعكس صراعاً محتدماً على السلطة والقيادة، في مشهد يفضح الهوة المتسعة بين الشعارات التي ظلت الجماعة ترفعها لعقود وبين الممارسات التي باتت تحكم سلوك قياداتها. وتتمثل بؤرة الأزمة الحالية في مساعي الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي لتمديد بقائه في موقعه القيادي، رغم ما تفرضه اللوائح الداخلية من قيود وضوابط تنظم التداول القيادي وتمنع احتكار المواقع التنظيمية.

وقد أثارت هذه التحركات موجة واسعة من الاعتراضات داخل التيار الإسلامي، وأدت إلى تعميق الانقسامات القائمة أصلاً، حتى بات التنظيم موزعاً بين ثمانية تكتلات واتجاهات متنافسة، لكل منها حساباته الخاصة ورؤيته المختلفة لمستقبل الجماعة. وبدلاً من أن تتوحد الجهود لمواجهة التحديات السياسية والتنظيمية التي تحيط بالحركة، انشغلت هذه المجموعات بمعارك النفوذ وإعادة توزيع مراكز القوة داخل التنظيم.

إن المشهد الراهن يعكس تحول الجماعة من تنظيم كان يقدم نفسه بوصفه نموذجاً للانضباط والوحدة إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات والصراعات الداخلية. فالتباينات لم تعد محصورة في الأشخاص، بل امتدت إلى طبيعة التحالفات السياسية ومسارات العمل المستقبلي، حيث يفضل فريق التنسيق الكامل مع قيادة الجيش، بينما يرفض فريق آخر هذا التوجه بصورة قاطعة، الأمر الذي أدى إلى غياب الرؤية الموحدة وفقدان القدرة على اتخاذ مواقف متماسكة تجاه القضايا الوطنية الكبرى.

وتشير معطيات متداولة من داخل الأوساط الإسلامية إلى أن بعض المجموعات بدأت بالفعل في بناء شبكات علاقات سياسية وتنظيمية مستقلة، وإجراء اتصالات منفصلة مع قوى وفاعلين آخرين خارج الإطار التقليدي للجماعة، وهو ما يعكس تراجع سلطة المركز التنظيمي وفقدان القيادة لقدرتها على ضبط الإيقاع الداخلي. كما أن هذا الواقع يهدد بفقدان أهم العناصر التي طالما اعتمد عليها التنظيم في إدارة نفوذه، وهي وحدة القرار والتماسك الهيكلي والانضباط التنظيمي.

ولم تنشأ هذه الأزمة بصورة مفاجئة، بل جاءت نتيجة تراكمات ممتدة من الخلافات والتجاوزات والصراعات الشخصية والتنظيمية التي ظلت تتفاقم عاماً بعد آخر دون معالجة جادة. ومع مرور الوقت اتسعت الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، وتزايدت الشكوك حول قدرة القيادة الحالية على إدارة مرحلة شديدة التعقيد في تاريخ الحركة.

وتكمن خطورة هذه التطورات في أن آثارها لا تقتصر على الإخوان المسلمين وحدهم، بل تمتد إلى مجمل التيار الإسلامي السوداني الذي ظل لعقود أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي. فاستمرار الانقسام وتفكك مراكز القرار قد يؤديان إلى مزيد من التشرذم وإضعاف قدرة هذا التيار على التأثير في الأحداث والتحولات الجارية في البلاد.

اليوم تقف الجماعة أمام اختبار مصيري ربما يكون الأخطر في تاريخها الحديث. فإما أن تنجح في معالجة أزمتها عبر الاحتكام إلى مؤسساتها ولوائحها وإعادة بناء الثقة بين مكوناتها، وإما أن يستمر مسلسل الانقسامات والتصدعات حتى يصل إلى مرحلة يصبح معها التفكك أمراً واقعاً لا يمكن تجنبه. وعندها لن تكون الأزمة مجرد خلاف على منصب أو قيادة، بل إعلاناً عملياً عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ تنظيم ظل لسنوات طويلة أحد أكثر التنظيمات حضوراً وتأثيراً في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!