
مؤيد الأمين
في كل الحروب تختلط الحقائق بالدعاية، لكن ما يحدث في السودان اليوم تجاوز حدود التضليل إلى صناعة واقع مقلوب بالكامل؛ واقع يصبح فيه القاتل بطلاً قومياً، بينما يُقدَّم المدني صاحب الرأي كخطر على الدولة.
لثلاثة أعوام ظل الإعلام الإسلاموي يروّج لرواية واحدة: الحرب هدفها القضاء على مليشيا الدعم السريع واستعادة حقوق المواطنين. جرى شحن الشارع عاطفياً عبر خطاب “الكرامة” والانتقام، وتصوير المعركة وكأنها حرب تحرير وطني. غير أن الوقائع على الأرض بدأت تكشف حقيقة مختلفة تماماً.
عندما عاد كيكل إلى صفوف الجيش، لم يُقدَّم للرأي العام بوصفه قائداً شارك في انتهاكات واسعة بحق المدنيين في الجزيرة، بل جرى الاحتفاء به وكأنه أحد المنقذين. فجأة اختفت ذاكرة الضحايا، وتحوّل سجل الاتهامات إلى صفحة بيضاء فقط لأنه غيّر موقعه السياسي والعسكري.
المشهد نفسه يتكرر اليوم مع عودة النور قبة، أحد قادة الدعم السريع المنشقين. الخطاب الإعلامي ذاته، والاحتفاء ذاته، وكأن المشكلة لم تكن في الجرائم نفسها، بل في الجهة التي يقف معها مرتكبها. هنا يظهر التناقض الصارخ: من حمل السلاح ضد المدنيين يمكن أن يُغفر له كل شيء إذا اصطف مع السلطة، بينما يُحاكم شاب مثل منيب بتهم ثقيلة فقط لأنه احتفل علناً بذكرى ثورة ديسمبر.
السؤال الذي يفرض نفسه: من هو المجرم الحقيقي؟
هل هو من عبّر عن حلم الثورة سلمياً؟ أم من ارتبط اسمه بالقتل والتشريد في النيل الأزرق والجزيرة؟
هذا التناقض يكشف أن الحرب لم تعد تُدار وفق معايير العدالة أو حماية المدنيين، بل وفق منطق الولاء السياسي. فالقضية لم تعد “محاربة مليشيا”، بل إعادة إنتاج سلطة فقدت شرعيتها بعد أن أسقطها الشارع. لذلك أصبح الخطر الحقيقي، في نظر السلطة، ليس من يحمل السلاح، بل من يحمل ذاكرة الثورة.
البرهان، الذي جاء إلى المشهد السياسي عبر موجة ديسمبر، يبدو اليوم وكأنه يحاكم ذات الثورة التي فتحت له باب السلطة. فالشباب الذين طالبوا بالدولة المدنية يُلاحقون بالتهم، بينما يُعاد دمج قادة الحرب تحت شعارات المصالحة الوطنية.
ما يحدث يؤكد أن الحرب التي تحرق السودان ليست فقط صراعاً عسكرياً، بل صراع على الوعي نفسه. إنها محاولة انتقام سياسي من شعب كسر معادلة الخوف وأسقط مشروع الإسلامويين.
ولهذا، فإن “الكرامة” التي يُروَّج لها تبدو مجرد شعار فارغ؛ إذ لا كرامة في الاحتفاء بالمسلحين وتكميم أفواه المدنيين. الحقيقة البسيطة التي تتضح يوماً بعد آخر أن الأنظمة قد تمتلك السلاح، لكنها تظل أضعف من شعب آمن بحقه في الحرية.
فالثورات لا تُهزم بالاعتقالات، ولا تنتهي بإعادة تدوير أمراء الحرب. وما دام صوت الناس حاضراً، ستبقى ديسمبر فكرةً تقاوم، مهما اشتد البطش وطال زمن الحرب.




