مجزرة الأنصاري.. حين تجاوزت مصر حدود النفوذ إلى قصف المدنيين داخل السودان
التنوير تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN

التنوير تقرير الشبكة الإعلامية المدنية MCN
لم يعد ما جرى في منطقة الأنصاري مجرد حادثة عسكرية عابرة يمكن المرور عليها في زحام أخبار الحرب السودانية، بل يمثل تحولاً خطيراً يكشف حجم التدخل المصري في الشأن السوداني، ويطرح أسئلة كبيرة حول مستقبل السيادة الوطنية في ظل استمرار الصمت الرسمي والتواطؤ السياسي الذي سمح بتجاوز كل الخطوط الحمراء.
فالقصف الذي استهدف مناطق التعدين الأهلي بالأنصاري وأسفر عن سقوط ضحايا بين المعدنين المدنيين، لم يكن استهدافاً لموقع عسكري أو جبهة قتال، بل طال مواطنين سودانيين كانوا يبحثون عن لقمة العيش في واحدة من أكثر البيئات قسوة وصعوبة. ولذلك فإن الغضب الشعبي الذي اجتاح قطاعات واسعة من السودانيين لم يكن ناتجاً فقط عن حجم الخسائر البشرية، وإنما عن الإحساس المتزايد بأن السيادة السودانية أصبحت مستباحة بصورة غير مسبوقة.
الأنصاري تحت النار.. المدنيون يدفعون ثمن التدخلات الخارجية
ما حدث في الأنصاري يمثل، في نظر كثير من السودانيين، أخطر اعتداء على المعدنين الأهليين في تاريخ السودان الحديث. فالمنطقة تضم آلاف العاملين في التعدين التقليدي الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر رزق أساسي في ظل الانهيار الاقتصادي الذي خلفته الحرب.
وبدلاً من أن تكون هذه المناطق فضاءات للإنتاج والعمل، تحولت إلى مسرح للموت والدمار. وتشير المعلومات الواردة من المنطقة إلى سقوط قتلى وجرحى ومفقودين، وسط مخاوف من أن تكون الحصيلة الحقيقية أكبر من الأرقام الأولية المتداولة.
وتكتسب الحادثة خطورتها من كونها وقعت داخل الأراضي السودانية واستهدفت مدنيين لا علاقة لهم بالعمليات العسكرية، الأمر الذي يجعلها، وفقاً لكثير من الأصوات الحقوقية والسياسية، انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني ولكل الأعراف التي تحكم النزاعات المسلحة.
غضب شعبي واسع.. والسودانيون يرفضون استباحة بلادهم
منذ الساعات الأولى لوقوع القصف، تصاعدت موجة غضب شعبية واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات المدنية والسياسية، حيث اعتبر كثير من السودانيين أن ما جرى ليس مجرد هجوم على منطقة تعدين، بل اعتداء مباشر على كرامة السودان وسيادته الوطنية.
وارتفعت الأصوات المطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم، فيما اعتبر ناشطون أن الصمت تجاه مثل هذه الجرائم سيشجع على تكرارها مستقبلاً.
ويبدو أن حجم الغضب الشعبي مرتبط أيضاً بتراكم طويل من المرارات المرتبطة بالعلاقة مع القاهرة، حيث يرى كثير من السودانيين أن مصر ظلت تتعامل مع السودان باعتباره مجالاً حيوياً لمصالحها الاستراتيجية أكثر من كونه دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.
من حلايب وشلاتين إلى الأنصاري.. تاريخ طويل من الهيمنة
بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام السوداني، فإن مجزرة الأنصاري لا يمكن فصلها عن سياق تاريخي طويل من الخلافات والتوترات بين السودان ومصر.
فملف حلايب وشلاتين وأبو رماد ظل لعقود عنواناً رئيسياً للنزاع بين البلدين، بينما استمرت الاتهامات السودانية للقاهرة بالتدخل في الشؤون السياسية الداخلية ودعم ترتيبات تخدم مصالحها الإقليمية على حساب الإرادة الوطنية السودانية.
كما أن قضايا المياه والموارد والثروات الزراعية والمعدنية ظلت حاضرة بقوة في الجدل السياسي بين البلدين. ويرى كثير من السودانيين أن العلاقة ظلت مختلة لمصلحة القاهرة التي استفادت لعقود من حالة الضعف السياسي وعدم الاستقرار داخل السودان.
ولذلك فإن حادثة الأنصاري أعادت إلى الواجهة شعوراً متنامياً بأن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بملفات الحدود أو المصالح الاقتصادية، بل وصلت إلى مرحلة بات فيها المدني السوداني نفسه هدفاً مباشراً للعنف داخل أرضه.
تواطؤ سلطة بورتسودان؟
في مقابل الغضب الشعبي العارم، برزت مواقف سلطة بورتسودان الفاقدة للشرعية الوطنية والاخلاقية والتواطؤ الواضح وتآمرها ضد الشعوب السودانية وعجزها عن حماية المدنيين تعريض السيادة الوطنية للانتهاكات السافرة .
فإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية المدنيين داخل أراضيها، وإذا كانت غير قادرة على الرد السياسي والقانوني والدبلوماسي على اعتداء بهذا الحجم، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الذي تقوم به مؤسساتها وأولوياتها الحقيقية.
ويرى كثير من المراقبين أن الصمت أو التردد في التعامل مع هذه الحادثة يمنح انطباعاً خطيراً بأن حياة المواطنين السودانيين لم تعد تحظى بالحماية المطلوبة، وأن البلاد أصبحت مفتوحة أمام التدخلات الخارجية دون رادع حقيقي.
الأنصاري جرس إنذار لمستقبل السودان
إن ما جرى في الأنصاري يتجاوز حدود حادثة محلية أو مواجهة عسكرية عابرة. إنه جرس إنذار يدق بقوة حول مستقبل السودان وسيادته ووحدة أراضيه.
فالشعوب التي دفعت أثماناً باهظة في سبيل الحرية والكرامة لا يمكن أن تقبل باستمرار واقع تُنتهك فيه السيادة الوطنية وتُستباح فيه أرواح المدنيين دون مساءلة أو محاسبة.
ولهذا فإن مطلب التحقيق المستقل والشفاف لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة أخلاقية ووطنية. كما أن حماية المدنيين السودانيين أصبحت مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأجيل أو المساومة.
لقد كشفت الأنصاري حجم الأزمة التي يعيشها السودان، لكنها كشفت أيضاً حجم الرفض الشعبي لأي محاولة لتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية. وبين دماء الضحايا وأسئلة السيادة المعلقة، يزداد إصرار السودانيين على أن يكون مستقبل بلادهم ملكاً لشعبها وحده، لا رهينة لمصالح الآخرين ولا خاضعاً لإرادة القوى التي اعتادت النظر إلى السودان باعتباره مجرد مجال نفوذ أو ساحة نفوذ مفتوحة.




