تقارير وتحقيقات

غارات مصرية داخل السودان تستهدف معدنين مدنيين بجبل العقيدات وتخلّف عشرات الضحايا

تقرير SPT ترجمة التنوير

 

تقرير SPT ترجمة التنوير 

نفّذت طائرات حربية مصرية، يوم الثلاثاء، غارات جوية في عمق الأراضي السودانية استهدفت معدنين مدنيين في منطقة جبل العقيدات، وفقاً لشهادات ميدانية متعددة وروايات محلية. ويُعدّ الهجوم تصعيداً خطيراً في انخراط مصر في النزاع السوداني، كما يُنظر إليه باعتباره من أخطر الحوادث المنسوبة للقوات المصرية منذ اندلاع الحرب.

وبحسب شهادات محلية ومراقبين سودانيين، فإن هذه الحادثة تمثل أكثر من مجرد انتهاك جديد للسيادة السودانية، إذ تعكس انتقال الدور المصري من التأثير السياسي والعسكري غير المباشر إلى الانخراط العسكري المباشر داخل الأراضي السودانية. ويأتي الهجوم وسط تصاعد الاتهامات للنظام المصري بلعب دور محوري في إطالة أمد الحرب السودانية وتأجيج الصراع عبر الدعم العسكري والسياسي المقدم لقيادة الجيش، بما حوّل السودان إلى ساحة للتدخلات الخارجية على حساب أرواح المدنيين ومصالح الشعب السوداني.

ويُعرف جبل العقيدات بأنه أحد أكبر مناطق التعدين الأهلي عن الذهب في السودان، حيث يستقطب آلاف المعدنين التقليديين من مختلف أنحاء البلاد، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عددهم يبلغ نحو سبعة آلاف شخص.

ووفقاً لشهادات معدنين وشهود عيان، أسفر القصف عن مقتل ما لا يقل عن 35 شخصاً وإصابة نحو 80 آخرين، فيما لا يزال العشرات في عداد المفقودين. ونتجت هذه الخسائر عن غارات جوية نُسبت إلى طائرات تابعة لسلاح الجو المصري استهدفت مواقع التعدين في المنطقة.

ونشر معدنون مقاطع فيديو على منصتي فيسبوك وتيك توك، تحققت منصة SPT من صحتها، أظهرت جثامين ملفوفة وأشخاصاً مصابين ونداءات استغاثة عاجلة. ووصف مصورو المقاطع الوضع بأنه كارثي. كما أكد عدد من المعدنين أنهم تعرضوا في السابق لهجمات برية نسبوها للجيش المصري شملت مصادرة الذهب ومعدات التعدين، إلا أنهم قالوا إن هذه هي المرة الأولى التي يتعرضون فيها لقصف جوي مباشر.

وقال مبارك آدم، وهو شاهد عيان، لمنصة SPT إن الغارات بدأت في ساعات الصباح الأولى واستهدفت في البداية الموقع الرئيسي للتعدين في جبل العقيدات، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، بعضهم في حالات حرجة.

وأضاف: “رأيت أربع طائرات عسكرية مصرية بدت وكأنها مقاتلات من طراز ميغ.”

وأوضح آدم أنهم تمكنوا أثناء فرارهم من نقل عدد من المصابين بواسطة شاحنات إلى منطقة سوق الأنصاري بمحلية أبو حمد في الولاية الشمالية.

وأشار إلى أن الطائرات المصرية واصلت التحليق فوق المنطقة لأكثر من ساعتين قبل أن تستهدف جبل الأحمر قرب الأنصاري، وهي منطقة تقع بالقرب من الحدود الإدارية بين ولايتي البحر الأحمر ونهر النيل.

وقال: “ما شهدته لم يكن أقل من مجزرة كاملة الأركان. رأيت أجساداً تتطاير في الهواء بفعل القصف قبل أن أجد نفسي أركض بأقصى سرعة وأحتمي داخل نفق في الجبل.”

من جانبه، قال حسين النور إن طائرة مصرية ترافقها طائرات مسيّرة ظلت تحلق فوق المنطقة في أوقات مختلفة منذ يوم الجمعة الماضي، ما يشير إلى أنها كانت تنفذ عمليات استطلاع ورصد ورسم خرائط جوية تمهيداً للهجوم.

وأكد أن ما شاهده كان “استهدافاً متعمداً للأشخاص وليس للبنية التحتية أو مواقع العمل”، مضيفاً: “رأيت الصواريخ والذخائر الحارقة تتساقط على المعدنين وتمزق أجسادهم.”

واتفق حسين النور مع رواية مبارك آدم بشأن عدد الطائرات المشاركة في الهجوم، موضحاً أنها كانت أربع طائرات حربية، وأضاف أنه يعتقد أنها من طراز سوخوي، قبل أن يشير إلى أنه لا يستطيع الجزم بنوعها بدقة.

وقال: “هذا عدوان سافر وانتهاك خطير للسيادة السودانية، لكن ليس لدينا حكومة تحمي مواطنيها ولا جيش وطني يدافع عن البلاد. لقد أصبح عبد الفتاح البرهان جندياً يتلقى أوامره من عبد الفتاح السيسي.”

وأضاف: “هربنا من الحرب وجئنا إلى هنا لنكسب رزقنا بجهدنا في ظروف بالغة الصعوبة، لكننا نجد أنفسنا نُقتل بطائرات دولة معادية داخل وطننا.”

وتابع: “نحن نموت هنا وفي أماكن أخرى حتى يبقى البرهان في السلطة.”

وعند سؤال عدد من الناجين عن الأسباب التي قد تكون دفعت الطائرات المصرية لاستهداف عمال مدنيين غير مسلحين داخل الأراضي السودانية، اتفق ثلاثة ممن أجريت معهم مقابلات على أن الهدف يتمثل في السيطرة على موارد الذهب واستغلال ظروف الحرب لتوسيع النفوذ المصري داخل أجزاء من السودان.

وقال حسين النور: “مصر لا تنظر إلى السودان باعتباره وطناً ولا إلى السودانيين باعتبارهم شعباً. هي ترى الأرض والموارد فقط. ولو استطاعت لأفرغت البلاد من سكانها من أجل الاستيلاء على ثرواتها.”

وقد أعادت هذه الاتهامات إشعال النقاش داخل الأوساط السودانية حول طبيعة الدور المصري في الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 ومدى تأثيره على مسار النزاع ومستقبل الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

ويرى قطاع واسع من السودانيين، خصوصاً في الأوساط السياسية والفكرية، أن السياسة المصرية تجاه السودان تقوم على رؤية استراتيجية تهدف إلى إبقاء البلاد في حالة تبعية تعرقل تطورها الزراعي والصناعي وتحد من قدرتها على الاستفادة الكاملة من مواردها الطبيعية وحصتها من مياه النيل، بما يجعل السودان مصدراً للمواد الخام وسوقاً للمنتجات المصرية وأداة لخدمة المصالح الإقليمية للقاهرة.

كما يرى سياسيون في تحالف القوى المدنية الديمقراطية أن النظام المصري لعب دوراً بنيوياً حاسماً في تقويض الانتقال المدني الديمقراطي، وفي انقلاب 25 أكتوبر 2021، وفي إشعال حرب 15 أبريل 2023 وإطالة أمدها.

ويؤكد هؤلاء أن قاعدة العوينات الجوية على الحدود السودانية تحولت إلى منصة تنطلق منها الطائرات الحربية والصواريخ والطائرات المسيّرة التركية من طراز بيرقدار نحو الأراضي السودانية، خاصة باتجاه كردفان ودارفور، وهو ما أسهم – بحسب رأيهم – في إطالة أمد الحرب وتعميق الكارثة الإنسانية.

وبعد أكثر من يوم على الحادثة، لم تصدر الحكومة المصرية أو الجيش المصري أو وسائل الإعلام الرسمية المصرية أي تعليق. كما امتنع المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني عن الرد على استفسار منصة SPT بشأن الانتهاك المزعوم للمجال الجوي السوداني والغارات الجوية التي أودت بحياة وأصابت عشرات المدنيين.

وقال قيادي سياسي بارز طلب عدم الكشف عن هويته إن النظام المصري، رغم إعلانه العلني دعم المبادرة الرباعية للسلام في السودان، يمارس ضغوطاً على قادة الجيش لرفضها خدمةً لمصالح وصفها بالضيقة وقصيرة النظر.

وأضاف أن الدم السوداني لا يزال يُراق، بينما تستمر مياه النيل، بما فيها حصة السودان، في التدفق إلى مصر، كما تستمر صادرات سودانية تسيطر عليها شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، إلى جانب الماشية والمنتجات الزراعية المباعة بأقل الأسعار، في دخول السوق المصرية.

وأشار أيضاً إلى أن الذهب السوداني عزز احتياطات البنك المركزي المصري بصورة كبيرة خلال سنوات الحرب، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى استفادة النظام المصري من استمرار النزاع ومعاناة السودانيين.

وأضاف المصدر أن هذا الاستغلال بلغ مستويات غير إنسانية، حيث تُباع تأشيرات الدخول إلى مصر – حتى للمرضى والفئات الضعيفة – مقابل آلاف الدولارات.

ويرى مؤثرون داخل القوى المدنية الديمقراطية السودانية أن تحقيق السلام في السودان سيظل أمراً بالغ الصعوبة ما لم يتم الحد من التدخلات المصرية التي يُنظر إليها كعامل رئيسي في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية السياسية.

وتقول قوى مدنية سودانية إنها تتطلع إلى الجهات الدولية الساعية للسلام في السودان، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لاتخاذ إجراءات عملية تجاه مصر، تشمل وقف استضافة الجماعات الإسلامية السودانية وشبكاتها الإعلامية والتنظيمية، ووقف إمداد الجيش السوداني بالسلاح والذخائر، وإنهاء العمليات العسكرية المنطلقة من قاعدة العوينات، والتخلي عما تصفه بسياسة ازدواجية تقوم على الدعوة للسلام علناً مع الاستمرار في تغذية الحرب على الأرض.

وفي ظل استمرار الحرب في حصد أرواح السودانيين، تتزايد الأصوات المدنية التي ترى أن أي مسار جاد نحو السلام لن يكون ممكناً ما لم تُواجه التدخلات الخارجية، وعلى رأسها التدخل المصري، باعتبارها من أبرز محركات الصراع والعقبات الرئيسية أمام التسوية السياسية. وتؤكد هذه الأصوات أن احترام سيادة السودان وإنهاء جميع أشكال التدخل العسكري والسياسي الأجنبي يمثلان شرطين أساسيين لأي تسوية مستدامة تنهي الحرب وتمهد الطريق نحو السلام والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!