رأي

نيالا تخلع الكدمول: هل يعيد أمر الطوارئ هيبة الدولة؟  قرار والي جنوب دارفور يفتح الباب أمام مشروع وطني لحظر السلاح وخطاب الكراهية.

د. دقاش حسب الله دقاش

 

 د. دقاش حسب الله دقاش

من سوق نيالا الكبير إلى البث المباشر على فيسبوك… معركة واحدة اسمها استعادة هيبة الدولة. 

في لحظة مفصلية من تاريخ جنوب دارفور اتخذ الأستاذ يوسف إدريس يوسف رئيس الإدارة المدنية قراراً شجاعاً يستحق التقدير، فأصدر أمر طوارئ رقم (2) لسنة 2026م مستنداً إلى قانون الطوارئ لحماية السلامة العامة لسنة 1997م. وبه أعلن دخول نيالا مرحلة جديدة هدفها حماية الأرواح والممتلكات وترسيخ السلم المجتمعي في ولاية أنهكتها الحروب وخطاب الكراهية.

حمل القرار تدابير تمس أمن الناس وحياتهم اليومية معاً، فحظر السلاح في الأسواق والتجمعات ومنع إشهاره في المركبات، وجرّم إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات التي تحولت من فرح إلى مأساة بسبب رصاصة طائشة. كما منع ارتداء الكدمول والزي العسكري لغير منسوبي الأجهزة النظامية، في رسالة واضحة أن الدولة وحدها تحتكر السلاح والزي الرسمي ولا سلطة تعلو على القانون.

وامتد الأمر إلى النسيج الاجتماعي فحظر البثوث المباشرة ذات النزعة القبلية ومنع التجمعات الإثنية إلا وفق القانون، وجرّم نشر أي أخبار تثير الكراهية والعنصرية بين مكونات المجتمع. فالكلمة التي كانت تشعل فتنة في ساعات صارت اليوم جريمة يحاسب عليها القانون. كما منع التدخلات القبلية في القضايا الجنائية والمدنية إلا في إطار الإصلاح المجتمعي، في محاولة لفصل سلطة القانون عن العرف الذي كثيراً ما أجهض العدالة.

ولم يقف عند ذلك بل شمل الحظر الاتجار بالمخدرات وتهريب الموارد دون تصاريح، وحظر تظليل المركبات إلا للمصرح لهم، في تأكيد أن القانون سيطبق على الجميع بلا استثناء. وأسند التنفيذ إلى القوات المشتركة لتأمين الأسواق والارتكازات ومحطات الوقود، مع عقوبات تصل إلى السجن عاماً أو غرامة خمسة ملايين جنيه أو العقوبتين معاً، ومصادرة المضبوطات، وتضاعف العقوبة عند التكرار.

لفهم عمق هذا القرار علينا أن ندرك أن الكدمول لم يعد مجرد قطعة قماش تقي من الشمس، بل صار رمزاً لغياب الدولة في الشارع، وانتشاره يعني غياب سيادة القانون. وبالمثل تحولت البثوث المباشرة مع انتشار الهواتف إلى وسيلة فتاكة، فكلمة واحدة كافية لإشعال فتنة. من هنا جاء القرار ليقطع الطريق أمام تجار الفتنة وتجار السلاح معاً، ويعيد زمام المبادرة للدولة المدنية.

قانونياً استند الأمر إلى نصوص واضحة ومدة محددة بثلاثة أشهر، وهي مدة كافية لاختبار الجدية دون الوقوع في فخ الطوارئ المفتوحة. لكن تبقى مخاوف مشروعة من أن تتحول بعض العبارات العامة إلى ذريعة تطال الصحفيين والناشطين، لذلك يبرز دور القضاء ووعي المنفذين في الموازنة بين ضرورة الأمن وقدسية الحرية، وتطبيق مبدأ التفسير الضيق لنصوص الطوارئ حتى لا يتحول الحظر إلى كمّ للأفواه.

اجتماعياً يمثل القرار اختباراً لمبدأ المواطنة المتساوية، فحظر المظاهر العسكرية ضربة لثقافة السلاح، وحظر البثوث القبلية محاولة لتفكيك سياسة فرق تسد التي مزقت النسيج الاجتماعي لسنوات. لكن نجاح ذلك مرهون بعدالة التطبيق، فإذا طُبق على الضعيف وأُعفِي منه القوي سيتحول القرار إلى أداة ظلم جديدة. كما أن حظر البث يجب أن يقابله فتح مساحات للحوار والتوعية عبر المنابر الرسمية حتى لا يشعر المواطن أن صوته كُتم، بل يُوجه نحو البناء.

أمنياً إسناد المهمة للقوات المشتركة خطوة منطقية لأن الأمن يحتاج قبضة موحدة، لكن يظل السؤال قائماً حول قدرتها على التغطية الشاملة وعن حيادها عند التعامل مع الجميع. فالتجربة علمتنا أن القانون الجيد يفشل إذا وقع في يد منفذ سيء، ولذلك يعتمد نجاح القرار على إرادة التنفيذ العادل بقدر ما يعتمد على صياغة النص.

اليوم تقف نيالا على مفترق طرق، فإما أن يكون هذا القرار بداية عهد جديد يعيش فيه الناس بأمان بلا سلاح ولا خوف ولا قبلية، وإما أن يكون مسكناً مؤقتاً لثلاثة أشهر ثم نعود إلى نقطة الصفر. والتاريخ علمنا أن الأمن وحده لا يصنع السلام، بل يصنعه العدل والتنمية والاعتراف بالآخر. الكدمول يمكن حظره بقرار، أما الكراهية المتراكمة في القلوب فلا تُحظر إلا بمشروع وطني جامع يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات والقانون سيداً مطاعاً.

إن تجربة نيالا تثبت أن الإرادة السياسية قادرة على كسر دائرة الخوف واستعادة هيبة الدولة. لذلك نوجه نداءً صادقاً إلى كل حكام الولايات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والولايات الآمنة، أن يحذوا حذو جنوب دارفور ويصدروا قرارات مماثلة تحظر السلاح في الأسواق والمظاهر العسكرية وخطاب الكراهية في البثوث المباشرة. فالسودان كله يعاني من ذات الظواهر، وعلاجها يبدأ بقرار شجاع وموحد. حين تتخذ كل الولايات نفس الخطوة سننتقل من مسكنات محلية إلى مشروع وطني لاستعادة الدولة وبناء السلام.

ويبقى السؤال مفتوحاً لأبناء دارفور والسودان: هل نحن مستعدون لدفع ثمن الأمن ببعض التنازلات في الحرية المطلقة؟ وهل نثق أن السلطة ستمارس هذا القرار بعدالة وحزم؟ الإجابة ستحدد ملامح المرحلة القادمة ليس في نيالا وحدها، بل في كل السودان الذي يتوق إلى دولة تحميه بالقانون وتوحده بالمواطنة وتقوده بالعدالة.

الأربعاء 17 يونيو 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!