رأي

فارس من ورق

ادريس هباني

 

إدريس هباني

لم يكن فارس النور يومًا من صُنّاع التحولات الكبرى أو من حملة المشروع الوطني الذي نشأ من رحم معاناة السودانيين الباحثين عن دولة العدالة والمواطنة والسلام. فقد دخل إلى ساحة العمل العام تحت عناوين متعددة وشعارات براقة، لكنه في اللحظات التي احتاج فيها الوطن إلى مواقف واضحة وخيارات شجاعة، اختار الابتعاد عن ميادين الفعل الحقيقي والتموضع في مناطق الانتظار والترقب.

إن المشاريع الوطنية لا تُقاس بكثرة التصريحات ولا بحجم الحضور الإعلامي، وإنما تُقاس بالقدرة على الصمود في أوقات الشدة، والالتزام بالمواقف عندما تتعقد الظروف وتتشابك المصالح. وقد أثبتت التجارب أن الكثيرين يجيدون الحديث عن التغيير، لكن القليل فقط هم الذين يدفعون ثمنه ويتحملون مسؤولياته.

عندما انطلقت جهود السلام في جدة، كان الأمل أن تتوحد إرادة السودانيين خلف مشروع يوقف الحرب ويعيد بناء الدولة على أسس جديدة. وكانت الحاجة ماسة إلى أصوات تشرح للناس حقيقة ما يجري وتدافع عن فرص السلام والوحدة الوطنية. لكن بعض الذين تصدروا المشهد اختاروا الانسحاب مبكرًا، تاركين الساحة لمن آمنوا بأن الأوطان لا تُبنى بالتردد ولا تُحمى بالحسابات الضيقة.

وحين فُتحت أبواب المشاركة في مشروع حكومة الوحدة والسلام، مُنحت الفرصة للجميع دون إقصاء أو تمييز، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السودان يسع أبناءه كافة. غير أن البعض فضل الابتعاد مجددًا، ورفع شعارات الاعتراض بدلًا من المساهمة في البناء، وكأن النقد من الخارج أسهل من تحمل أعباء المسؤولية من الداخل.

لقد أثبت أبناء السودان الحقيقيون أن الانتماء للوطن لا يُقاس بالأقاليم ولا بالقبائل ولا بالمواقع السياسية، وإنما بالموقف الوطني الصادق. فهناك رجال ونساء اختاروا الوقوف إلى جانب مشروع السلام رغم حملات التشويه والاستهداف، وآمنوا بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو العودة إلى عهود الهيمنة والاستبداد.

ومن بين هؤلاء الوطنيين برزت شخصيات من مختلف الأقاليم حملت راية الوحدة الوطنية وقدمت نموذجًا في الالتزام بالقضايا الكبرى، مؤمنة بأن بناء الدولة الجديدة يتطلب تضحيات وصبرًا وإيمانًا بالمستقبل. هؤلاء لم يبحثوا عن مكاسب شخصية أو أدوار إعلامية عابرة، بل انحازوا إلى مشروع وطني يرون فيه أمل الأجيال القادمة.

إن التاريخ لا يحتفظ بالأسماء بسبب ضجيجها، وإنما بسبب مواقفها. والناس قد تختلف حول الأشخاص، لكنها لا تختلف حول الحقائق التي تصنعها الأحداث. وفي نهاية المطاف، تبقى المبادئ أقوى من الأشخاص، وتبقى المواقف الوطنية الصادقة هي المعيار الحقيقي للحكم على الرجال.

أما الذين يبدون في أوقات الرخاء فرسانًا، ثم يتراجعون عند أول اختبار، فإن الزمن يكشف حقيقتهم سريعًا. فالفارس الحقيقي يُعرف ساعة الشدة، أما الفارس المصنوع من الورق فإن أول عاصفة كفيلة بإسقاطه.

وسيظل مشروع التغيير الوطني قائمًا بإرادة المؤمنين به، وستبقى غايته الكبرى بناء وطن يتسع لجميع أبنائه، وطن الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية، وطن السلام والاستقرار، وطن لا مكان فيه للاستبداد ولا لهيمنة الحركة الإسلامية وواجهاتها السياسية.

سودان واحد، يسع الجميع، بلا كيزان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!