
د.دقاش حسب الله دقاش
يستهل الباحث أليكس دي وال تحليله العميق للصراع السوداني بملاحظة جارحة تكشف جوهر المعضلة فيقول إن السياسة عندنا لم تكن يوما صراع رؤى ومشاريع وطن بل سوقا واسعة يشترى فيها الولاء وتباع فيها المواقف وأن الدولة نفسها تحولت إلى دكان كبير يتقاسمه تجار القوة والمال وهذه القراءة التي خلص إليها دي وال بعد عقود من تتبع حروبنا ومفاوضاتنا تلخص مأزقنا التاريخي في سطر واحد فالسودان على الخريطة واضح المعالم يربط بين صحارى الشمال وسافنا الوسط وغابات الجنوب وبين النيلين العظيمين والبحر الأحمر وهذه الجغرافيا منحته موقعا استراتيجيا وموارد متنوعة ومزيجا بشريا نادرا لكنها لم تتحول بعد إلى وجدان جامع يجعل المواطن في أقصى الشرق يشعر بأنه شريك أصيل مع أخيه في أقصى الغرب في مصير واحد ومشروع وطني واحد فالحدود التي رسمها الاستعمار بالقلم جمعت أجسادنا في كيان إداري واحد ولم تنجح في صهر قلوبنا في أمة واحدة ومنذ لحظة الاستقلال ونحن نعيش بين أرض نعرف حدودها بدقة وأرض أخرى داخل ضميرنا لا نعرف ملامحها ولا أين تبدأ ولا أين تنتهي
الفرق بين الدولة والأمة هو أن الدولة يمكن أن تفرض بالقوة أو تنشأ باتفاق النخب بينما الأمة شعور داخلي عميق يجعل الإنسان مستعدا للتضحية من أجل كيان أكبر منه ويجعله يدرك أن مصيره مرتبط بمصير الآخرين حتى لو اختلف معهم في الرأي أو المصلحة ومصر اكتسبت هذا الشعور عبر آلاف السنين فصار اسمها والنيل والأهرام جزءا من هوية المصري قبل انتمائه الحزبي أو الطائفي وأثيوبيا امتلكت ذاكرة تاريخية طويلة بدأت من أكسوم ومرورا بالنجاشي جعلت فكرة إثيوبيا تتجاوز كل الخلافات العرقية والسياسية أما السودان فقد دخل القرن العشرين بدولة حديثة بلا ذاكرة وطنية موحدة فبحث المواطن عن ملاذ يحميه في زمن الخوف فلم يجد أمامه سوى القبيلة أو الجهة أو الطائفة لأنها كانت الأقرب إلى وجدانه والأقدر على منحه الأمان والانتماء في غياب سلطة تحميه وتحترمه وتضمن له حقه
الخرطوم في هذه المعادلة لم تقم بدور القلب النابض الذي يضخ الحياة في كل الجسد بقدر ما قامت بدور المركز الإداري الذي يمارس وظيفة التوزيع والجباية فتكونت صورة راسخة في أذهان الأطراف بأن الحكم هو اليد التي تأخذ ولا تعطي وأن العاصمة هي المكان الذي تصنع فيه القرارات ثم تفرض على البقية دون مشاركة حقيقية في صناعتها وهذه الصورة حولت الرابط بين المركز والهامش إلى رابط مصلحة مؤقتة أو خوف من العقوبة لا إلى رابط محبة وانتماء طوعي ولهذا كان أي خلاف سياسي ينشأ في الخرطوم ينتقل سريعا إلى البندقية في دارفور أو إلى إغلاق الميناء في الشرق أو إلى الانفصال في الجنوب لأن الطرف الذي يشعر بأنه خارج المعادلة لا يرى في الوطن بيتا مشتركا يخسر فيه جولة ويربح أخرى بل يراه غنيمة يريد أن ينتزع نصيبه منها أو يتركها بالكامل إذا لم يجد مكانا آمنا له داخلها
المفارقة التي توجع كل من يحاول فهم السودان بعقل متجرد هي أن الشعب السوداني كأفراد يملك خصائص نادرة من الكرم والشهامة والتكافل والقدرة على الصمود في أقسى الظروف فالسوداني في الغربة يتجمع مع أبناء بلده ويكون أسرة بديلة وفي الأزمات الداخلية يفتح بيته للجار قبل أن يسأله عن انتمائه السياسي أو العرقي وهذه الروح الاجتماعية العالية تثبت أن مادة الأمة الخام موجودة ومتوفرة بغزارة لكنها لم تتحول بعد إلى مشروع سياسي ناضج يبني عقدا اجتماعيا يحمي الجميع ويضمن أن الخلاف لا يعني الإقصاء وأن الاختلاف لا يعني العداء فالنخب المتعاقبة فشلت في ترجمة هذه المشاعر الأصيلة إلى مؤسسات وقوانين وتقاليد ديمقراطية تجعل من الدولة بيتا للكل لا غنيمة للفائز في الانتخابات أو المنتصر في المعركة
التوهان الذي نعيشه اليوم ليس نهاية المطاف ولا حكما أبديا على مصيرنا فالأمم العظيمة كلها مرت بمراحل ضياع وشك وصراع داخلي مرير قبل أن تستقر على هوية واضحة فأمريكا قضت قرنين وهي تتصارع حول معنى المواطنة والحرية وخاضت حربا أهلية مدمرة وألمانيا انقسمت ودمرت نفسها في حربين عالميتين قبل أن تتوحد من جديد لكن الخطر الحقي يبدأ عندما نصدق أن الضياع هو أصلنا وأن الفشل هو قدرنا المحتوم وأن التقسيم هو الحل الوحيد لمشاكلنا فالتقسيم في حالة السودان لن يكون جراحة نظيفة تفصل جسدا عن جسد بل سيكون نزيفا مفتوحا لا يتوقف لأن التداخل السكاني والاجتماعي والاقتصادي بين أقاليمه يجعل أي خط ترسمه على الأرض يتحول إلى جرح ينزف لعقود قادمة ويولد أزمات جديدة أكثر تعقيدا من الأزمة التي أراد التقسيم أن يحلها
الخروج من هذا التيه لا يحتاج إلى معجزة خارقة بل إلى قرار واع وشجاع بإعادة بناء العلاقة بين المواطن والسلطة على أسس جديدة أولها العدالة المكانية بحيث يشعر إنسان كسلا وبورتسودان ونيالا والفاشر بأن ثروة إقليمه تبقى فيه وتعود عليه بخدمة وتعليم وصحة قبل أن تذهب إلى المركز فاللامركزية الحقيقية ليست شعارا يرفع في المؤتمرات بل إحساس يومي يعيشه المواطن بأن هذه البلد ملكي أنا أيضا وليست ملكا لفئة بعينها أو جهة بعينها وثانيها كتابة قصة وطنية جديدة نرويها لأبنائنا في المدارس ونغنيها في المناسبات قصة لا تبدأ من الانقلابات والحروب فقط بل تبدأ من ممالك كوش والممالك الإسلامية ومن ثورات المهدية وأكتوبر وأبريل وديسمبر قصة تجعل الشاب من دنقلا والشاب من الجنينة يعتبران نفسيهما أبطالا في الفصل نفسه من كتاب الوطن وثالثها تحويل السلطة من جهاز يخيف الناس إلى جهاز يخدمهم فالدولة التي تأخذ الضرائب ولا تقدم مدرسة ولا مستشفى ولا عدلا ناجزا ستظل في عيون الناس مجرد سمسار يقتطع من رزقهم ولا يستحق ولاءهم أما الدولة التي تعطي الأمن والخدمة والفرصة المتساوية فستتحول تدريجيا إلى أم يحتمي بها الجميع وقت الشدة ويلجأ إليها الجميع وقت الخلاف
السودان اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي مصيري فإما أن يستمر في البحث عن ذاته ويقبل ألم المخاض حتى يولد من جديد كأمة موحدة تحترم تعددها وتستثمره في بناء مستقبل مشترك وإما أن يستسلم لوهم أن الجغرافيا وحدها كافية ويترك الوجدان يتشظى حتى تتحول الخريطة إلى دويلات متناحرة لا يعترف بها أحد ولا يجد مواطنها كرامته فيها والوقت لا ينتظر والصبر على العلاج أفضل ألف مرة من الرضا بالمرض المزمن فالسودان ليس لعنة جغرافية ولا تجربة فاشلة بل اختبار كبير لشعب عظيم وإذا نجحنا في تحويل الجغرافيا التي جمعتنا قسرا إلى وجدان يختارنا طوعا فسنثبت للعالم أن الأمم لا تولد كاملة وأن العظماء هم الذين يصنعون أوطانهم بأيديهم حتى لو بدأوا من نقطة الصفر وبقايا الخراب.




