رأي

الجيش السوداني واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا: ملف مفتوح على المساءلة

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

تتزايد الأدلة التي تشير إلى أن الجيش السوداني تورّط في استخدام أسلحة محرمة دوليًا خلال الحرب الدائرة، وأن هذا الاستخدام لم يكن حادثًا معزولًا بل جزءًا من نمطٍ متكرر يؤكد وجود قرار عسكري بتوظيف وسائل قتالية تتجاوز حدود القانون الإنساني الدولي. ومع تراكم الشهادات الميدانية والتحقيقات الفنية، أصبح الملف أكثر تعقيدًا، وأكثر خطورة، وأقرب إلى دائرة الإدانة الدولية.

لقد أثارت الجهات الأميركية هذا الملف بقوة، مستندة إلى نتائج تحقيقات طويلة جمعت خلالها عينات بيئية، وتحليلات فنية، وصورًا التقطت في مواقع الضربات، إضافة إلى شهادات ناجين وعاملين في المجال الطبي الذين وصفوا إصابات غير مألوفة. هذه النتائج — التي وُصفت بأنها “أدلة قوية” — دفعت الولايات المتحدة إلى مطالبة الجيش السوداني بالاعتراف باستخدام الأسلحة المحظورة ووقفها فورًا، والتعاون مع آليات الرقابة الدولية.

وتشير خلاصات هذه التحقيقات إلى أن الجيش استخدم، في عدة مناسبات، ذخائر يُشتبه أنها تحمل مواد كيميائية أو عوامل حارقة شديدة. فقد وثّقت فرق مراقبة دولية ومحلية آثارًا لا يمكن تفسيرها بالأسلحة التقليدية: احتراقًا كاملًا لجثث الضحايا خلال ثوانٍ، تغيّرًا حادًا في لون التربة والمياه، نفوقًا واسعًا للحيوانات، وغيابًا شبه كامل للشظايا المعدنية التي ترافق عادة الضربات التقليدية. هذه العلامات — كما يصفها خبراء الطب الشرعي العسكري — ترتبط عادة باستخدام مواد كيميائية أو حرارية محظورة.

وعلى الأرض، تحدّث ناجون عن روائح خانقة تسبق انتشار سحب كثيفة منخفضة، يعقبها اختناق شديد، وحروق جلدية سريعة الانتشار، واحمرار حاد في العينين، وهي أعراض تتوافق مع التعرض لمواد كيميائية محرّمة. ويعزز هذا شهادات طواقم طبية تعاملت مع الإصابات وأكدت ظهور أنماط مرضية لم تكن تعرفها طوال سنوات عملها في مناطق النزاع.

المعطيات التي جُمعت في مناطق شمال دارفور ومحيط العاصمة تكشف عن سلسلة من الضربات المتشابهة، ما يلغي فرضية “الحادث الفردي” ويشير إلى استخدام منهجي لهذا النوع من السلاح. كما أن تكرار الضربات وفق نمط ثابت يعزز الفرضية القائلة بأن القرار جاء من داخل المؤسسة العسكرية وليس من عناصر منفلتة.

ومع تصاعد الضغط الدولي، تتجه القضية نحو فتح تحقيق موسع قد يضع الجيش السوداني في قلب مساءلة قانونية شديدة الصرامة. فالملف لم يعد شأنًا داخليًا، بل أصبح قضية دولية ذات أبعاد جنائية، يمكن أن تدفع نحو فرض عقوبات جديدة، أو إحالات لمؤسسات عدلية دولية، أو إجراءات رقابية مشددة على أنشطة الجيش.

إن تورط الجيش في استخدام هذه الأسلحة — وفق ما تشير إليه الأدلة المتراكمة — يجعل مستقبل الحرب ومستقبل البلاد كله على المحك. فحين تُستخدم أسلحة محظورة ضد السكان، فإن الشرعية العسكرية والسياسية تنهار بالكامل، ويبدأ العدّ التنازلي نحو محاسبة لا يمكن الهروب منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!