
خالد فضل
بضع تصريحات صدرن عن جهات مختلفات في أوقات متفرقات يشرن إلى نقطة جوهرية تتعلق بوضعية الطبقة العسكرية السودانية . فقد نسب لرئيس الوزراء القطري الاسبق الشيخ حمد بن جاسم قولا غليظا في شأن القادة العسكريين السودانيين ؛ بلغ حد تجريدهم من الوطنية والعمل على تفتيت بلدهم وشعبهم بخضوعهم للإملاءات الخارجية . ولم يتصد لرأيه ذاك متصد ممن نذروا دفاعهم عن العسكريين السودانيين سواء رسميا أو ذاتيا . بل لم تنشئ مغنية الجيش أغنية ترد فيها كيد الكائدين كما دأبت على فعل ذلك في مواجهة القحاطة !!
مرّة أخرى قبل أيام قال وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو إنّ الحرب في السودان قد تحولت إلى حرب بالوكالة , منوها بشكل خاص إلى انعكاس الخلافات السعودية الأماراتية على صراع السودان . كالعادة لم يصدر تعليق ممن يتهافتون على الرد على أي تصريح يصدر عن قادة القوى المدنية المناهضة للحرب يدعون فيه إلى وقف القتال والركون للتفاوض لحل النزاع الوطني .
في توضيح مبين صريح , كان د. عبدالحي يوسف قد وصف القائد العسكري للجيش الفريق البرهان بأنه كذاب ومنافق ولا أمان له , وأنه أعجز من اقصاء الإسلاميين لأنهم يحيطون به في داخل مكتبه . كان مختصر الرد ما قاله المعني أي البرهان بأن الشيخ الضلالي يهرف بالقول , ومن كان له جيش فليأت ويسحبه .
قبل سنوات قال المشير عمر البشير إن الترابي أبلغه بأن إخوانه في التنظيم قرروا الإستيلاء على السلطة عن طريق الإنقلاب العسكري , فما كان علينا سوى التنفيذ .
في الستينات تواطأ نفر من القادة العسكريين على الإنقلاب العسكري , كانوا ينتمون إلى تنظيمات اشتراكية قوميين عرب وشيوعيين , ونفذوا انقلاب مايو 1969م .
قبلهم كان الفريق إبراهيم عبود يستولي على السلطة بإيعاز من رئيس الوزراء البك عبدالله خليل .
فيما تقول وقائع التاريخ الوطني منذ الإستقلال وحتى اليوم أنّ التنازل عن أراض سودانية وإغراق آثار الحضارة النوبية القديمة وتهجير سكان الإقليم الشمالي القصي قد حدث تحت قيادة الجنرال إبراهيم عبود وطبقة العسكريين الحكام آنذاك.
كما اشتهرت واقعة ترحيل اليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى دولة إسرائيل ( التي كانت توصف بدولة العدو الصهيوني ) إبان حكم المشير جعفر النميري قائد الجيش السوداني ورئيس البلد حينها .
ثم جاء الصمت عن غياب مثلث حلايب عن خارطة السودان في منتصف التسعينات من القرن الماضي في عز سطوة وصولجان المشير البشير الأخ المسلم الذي نفذ تعليمات تنظيمه . ولئن كان انفصال/ إستقلال الجنوب قد حدث بعد استفتاء فإن الطبقة العسكرية السودانية الحاكمة لم تفعل ما يجعل البقاء في دولة واحدة راشدة ممكنا فاختار شعب الجنوب الرحيل .
ثم كان انقلاب 25أكتوبر 2021م الذي نفذه قائد الجيش البرهان رفقة نائبه الفريق حميدتي قائد قوات الدعم السريع التي تشكل الضلع الموازي لجيش البرهان , وعند هذه النقطة يجب ألا نتوقف طويلا فتلك سيرة البحر ذاتها !! المهم قطع العسكريون مسار الإنتقال المدني السلمي لبناء دولة سودانية تعددية ديمقراطية مدنية حديثة . فلما تكاثف الضغط الداخلي والخارجي وركن العسكر إلى التفاوض والحل عبر الاتفاق الاطاري كان الزمام قد أفلت من يديهم , وأشعل الإسلاميون الحرب ضد الدعم السريع لما رأوا تقاربه مع الخط المدني الديمقراطي , ومرّة أخرى بدت الطبقة العسكرية السودانية وكأنها منقادة للسير عكس تيار الرغبة الشعبية وخياراتها في دولة مدنية ديمقراطية وكان ما هو معروف من وقائع الحرب اليوم والتي ستفضي نتائجها حتما إلى واقع جديد ربما صار فيه القطر السوداني العتيد أشلاء ممزقة متعاركة متناثرة , ومع ذلك تصر طبقة العسكريين على الهيمنة والسيطرة .
لماذا تبدو هذه الطبقة أيسر غواية من جانب الداخل وأكثر خنوعا لمصالح الخارج …




