امتحان الشهادة السودانية في دارفور: حين أنعشت الإرادة الأمل في نفوس الأمهات
د. دقاش حسب الله دقاش

د. دقاش حسب الله دقاش
إن المتأمل في مشهد نيالا وهي تودع آخر أيام امتحان الشهادة السودانية يقف إجلالاً أمام عظمة اللحظة وجلال معناها، فما جرى داخل القاعات لم يكن اختباراً أكاديمياً يُقاس به التحصيل وحده، بل كان إعلاناً صريحاً بأن الحياة أقوى من كل ظرف، وأن الإرادة أقدر على تجاوز كل عائق، وأن التعليم جسر لا تنقطع أوتاره مهما اشتدت العواصف. ومن ثم فإن انتهاء الامتحانات بسلام ليس حدثاً عابراً في سجل المدينة، بل محطة فارقة في مسيرة الأمل، وبرهان ساطع على أن نيالا وإن جرحت لا تموت، وإن تأخرت لا تتخلف عن ركب البناء.
وإذا كان الامتحان في الأحوال العادية قلقاً مشروعاً للطالب وأسرته ومعلمه، فإن له في ظروف الاستثناء دلالة أعمق، إذ يتحول من وسيلة تقييم إلى رمز للصمود وشهادة حياة يوقعها المجتمع كله بخط الصبر والثبات. فعودة الطلاب إلى مقاعدهم، وانتظام المراقبين في أداء واجبهم، وهدوء الأجواء الأمنية التي وفرت الطمأنينة، كل ذلك يشكل لوحة متكاملة عنوانها أن الدولة حاضرة، وأن المجتمع متماسك، وأن المستقبل وإن غامت سماؤه لا يزال مشرقاً في قلوب الأبناء.
ولقد انبعث الأمل مع أول ورقة أسئلة توزع ومع آخر ورقة إجابة تسلم، فلم يكن أملاً فردياً يخص طالباً بعينه أو أسرة بعينها، بل كان وجداناً جمعياً عبرت عنه الأم الساهرة التي رأت في ابنها الخارج من القاعة امتداداً لحلمها، وعبر عنه الأب الكادح الذي أبصر في ابنته الداخلة إلى الجامعة غداً ثمرة لصبره، وعبر عنه المعلم الصابر الذي وجد في طلابه رسالته التي لا تنقطع. وبهذا صار الامتحان رابطاً يشد أواصر المجتمع ويذكره بأن أعظم استثمار هو استثمار الإنسان، وأن أثمن بناء هو بناء العقل.
ويحمل ختام الامتحانات بسلام معانٍ عميقة تستحق التأمل، فمن الناحية الأمنية هو دليل عملي على أن إرادة الحماية حاضرة وقادرة على تهيئة البيئة المناسبة لهذا الاستحقاق الوطني الجليل، ومن الناحية الإدارية مؤشر واضح على كفاءة التنظيم وحسن التدبير الذي بذلته الإدارة المدنية ووزارة التربية والتعليم حتى تجاوزت الصعاب، ومن الناحية المجتمعية رسالة بالغة الوضوح مفادها أن أهل نيالا وجنوب دارفور يضعون التعليم في صدارة أولوياتهم ولا يسمحون لظرف أن يزحزحه عن مكانه.
ولا يستقيم الحديث عن هذا الإنجاز دون إنصاف أهله، فالتحية للإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور التي هيأت الأجواء وذللت العقبات، والتحية للأجهزة الأمنية التي سهرت على حفظ أمن الطلاب وراحتهم، والتحية لوزارة التربية والتعليم والمعلمين الأجلاء الذين حملوا أمانة التعليم فأدوها بإخلاص، والتحية لأولياء الأمور السند الأول والخفي لنجاح أبنائهم، فبجهودكم جميعاً اكتملت الصورة وبلغت الغاية.
ومع إغلاق آخر قاعة وآخر ملف تبدأ مرحلة جديدة لا تقل أهمية عن سابقتها، هي مرحلة انتظار النتائج التي يمتحن فيها الصبر ويظهر فيها اليقين. ونسأل الله العلي القدير أن يكلل جهود أبنائنا وبناتنا بالنجاح الباهر والتفوق المشرف الذي يليق بهم وبأهلهم وبمدينتهم، وأن يجعل هذه العودة بداية عهد جديد لنيالا عنوانه العلم والبناء والتعمير، وعهد تؤكد فيه المدينة للعالم أنها لا تعرف لليأس طريقاً وأنها لا تسير إلا إلى الأمام. فمبروك لنيالا، ومبروك لجنوب دارفور، ومبروك لكل بيت سوداني احتفل اليوم بانتهاء الامتحانات بسلام، والعقبال الشهادات العليا، والعقبال أن نراكم علماء ومهندسين وأطباء تعمرون هذا الوطن وترفعون رايته عالية خفاقة.
د. دقاش حسب الله دقاش
نيالا – الخميس 19 يونيو 2026م




