تعقيب على رؤية الأستاذ عبدالله جمعة النور رئيس إتحاد المهنيين والنقابات تأسيس….. هل يحسم الجهاز التشريعي بحكومة السلام والوحدة تداخل الاختصاصات بين رئيس الجهاز التنفيذي وحكام الأقاليم ؟(٢-٣)
جمعة حراز

جمعة حراز يكتب
تفرض التحولات السياسية والأمنية التي يشهدها السودان اليوم ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة تأسيس الدولة. فالحرب القائمة كشفت بوضوح أوجه القصور البنيوية في نظام الحكم والإدارة العامة، وأثبتت أن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا عبر بناء مؤسسات قوية ومرنة وقادرة على الاستجابة لمتطلبات الواقع الجديد.
وفي هذا تبرز أهمية الرؤية التي طرحها الأستاذ عبدالله جمعة النور رئيس إتحاد المهنيين والنقابات (تأسيس), كخبير في الحكم والإدارة والتي تدعو إلى مراجعة شاملة لفلسفة الحكم اللامركزي بما يتجاوز مجرد توزيع السلطات، نحو إعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية حديثة تحقق الكفاءة والعدالة والاستدامة.
إن التحدي الحقيقي أمام دستور حكومة السلام والوحدة لسنة 2025م لا يتمثل في تشكيل حكومة جديدة، وإنما في إعادة بناء مؤسسات الدولة وهياكلها الإدارية قبل بناء الحكومات. فالتجارب السابقة أكدت أن تعدد مستويات الحكم وتضخم الهياكل الإدارية أدى إلى استنزاف الموارد وتداخل الاختصاصات وضعف كفاءة الأداء الحكومي.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تبني نموذج جديد للحكم اللامركزي يقوم على إعادة هيكلة شاملة للنظام الإداري للدولة، من خلال إلغاء المستوى الولائي بصورته التقليدية، والاستعاضة عنه بنظام المحافظات كحلقة رئيسية للإدارة الإقليمية، بما يحقق تبسيط هيكل الدولة وتقليل الإنفاق الحكومي وتعزيز فعالية الإدارة العامة.
وتقوم هذه الرؤية على إعادة هندسة المحليات الحالية وفق معايير فنية واقتصادية وسكانية وجغرافية، بما يشمل دمج بعض المحليات ذات الموارد المحدودة أو الامتدادات الجغرافية المتقاربة في محافظات أكبر وأكثر قدرة على إدارة التنمية والخدمات بكفاءة. فالغرض ليس تقليص الوحدات الإدارية فحسب، بل بناء وحدات حكم محلي قوية وقادرة على الاعتماد على مواردها وإدارة شؤونها بفاعلية.
وفي إطار هذا التصور، تصبح المحافظات وحدات الحكم الأساسية التي تتولى إدارة الخدمات والتنمية المحلية والتخطيط الاقتصادي، بينما تضطلع الحكومة القومية بالمهام السيادية والاستراتيجية المتعلقة بالدفاع والسياسة الخارجية والمالية العامة والمعايير القومية.
وترتكز الرؤية الجديدة للحكم اللامركزي على عدة مبادئ أساسية:
– بناء مؤسسات الدولة قبل تشكيل الحكومات.
– إلغاء الازدواج الإداري وتقليل مستويات الحكم.
– استبدال الولايات بمحافظات ذات صلاحيات واختصاصات واضحة (الحكم المحلي).
– إعادة هيكلة ودمج المحليات وفق أسس فنية واقتصادية.
– تحقيق العدالة المكانية في توزيع الخدمات والتنمية.
– تعزيز اللامركزية المالية وتمكين المحافظات من إدارة مواردها.
– إشراك المجتمعات المحلية والإدارة الأهلية في صنع القرار التنموي وحفظ السلم الاجتماعي.
وفي ظل الحرب الحالية، تكتسب هذه الرؤية أهمية استثنائية، إذ تتيح إنشاء هياكل إدارية أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات والطوارئ، وتدعم جهود إعادة الإعمار والتعافي المبكر، وتضمن وصول الخدمات إلى المواطنين بكفاءة أعلى وأقل تكلفة.
كما أن مرحلة السلام وإعادة البناء تتطلب تجاوز الإرث الإداري التقليدي الذي ارتبط بتضخم الأجهزة الحكومية وتشتت الموارد، والانتقال إلى نموذج أكثر رشاقة وفاعلية يربط بين الحكم والتنمية ويجعل من المحافظات مراكز حقيقية للإنتاج والاستثمار والخدمات.
إن دستور حكومة السلام والوحدة 2025م يمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، من خلال نظام حكم لامركزي حديث يقوم على المحافظات أو المديريات بدلاً عن الولايات، ويستند إلى مؤسسات قوية واختصاصات واضحة وعدالة في توزيع السلطة والثروة.
فالسودان اليوم بحاجة إلى دولة أقل تعقيداً وأكثر كفاءة، وإلى نظام إداري يواكب متطلبات السلام والتنمية وإعادة الإعمار، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الحكم المحلي أداة للبناء والاستقرار والتنمية المستدامة، لا عبئاً إضافياً على موارد الدولة المحدودة….
١٢يونيو ٢٠٢٦م




